الحسم العسكري
الحسم العسكري


في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالملف الإيراني، تكشف مداخلات مارك كيميت وهارلي ليبمان عن مقاربة أميركية مركبة تمزج بين الحسابات العسكرية الدقيقة والرهانات السياسية المفتوحة، ما يعكس تعقيد المشهد وتداخل أبعاده.

فبينما يركز كيميت على الجوانب العملياتية وحدود تأثير التحركات العسكرية، يقدم ليبمان قراءة أوسع تتناول العلاقة بين النجاح التكتيكي والغموض الاستراتيجي، إضافة إلى شروط التسوية المحتملة. وتطرح هذه الرؤية المزدوجة تحليلاً يتجاوز التفاصيل الميدانية نحو فهم أعمق لبنية القرار الأميركي وتداعياته.

تمايز العمليات العسكرية وحدود التأثير
يشدد كيميت على أن إرسال قوات أميركية لا يمكن النظر إليه كخطوة واحدة متجانسة، موضحاً أن عمليات البحث والإنقاذ القتالية تختلف جذرياً عن العمليات البرية أو الغزو الشامل، إذ تقتصر أهدافها على إنقاذ الطيارين بعد إسقاط طائراتهم، ما يمنحها طابعاً تكتيكياً محدوداً.

ويرى أن هذا التمايز ينعكس على طريقة تعامل صناع القرار، إذ لا تُعد هذه العمليات، بحد ذاتها، دافعاً نحو تصعيد واسع. ومع ذلك، يقرّ بوجود مخاطر ميدانية، تشمل خسائر في الطائرات وإصابات في المروحيات، فضلاً عن تعرض القوات لإطلاق النار، مؤكداً أن القرار العسكري يظل محكوماً بموازنة دقيقة بين المخاطر والعوائد.

استهداف البنية التحتية: القدرة والتداعيات
وفي ما يتعلق بإمكانية استهداف إيران، يرفض كيميت استخدام توصيفات عامة مثل “القضاء على إيران”، مفضلاً الحديث عن قدرات محددة، كاستهداف البنى التحتية الحيوية مثل الجسور، بما في ذلك تلك ذات الاستخدام المزدوج.

ويؤكد أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على تدمير عدد كبير من هذه الأهداف خلال وقت قصير، حتى خلال ليلة واحدة، لكنه يحذر من أن مثل هذه العمليات تحمل تداعيات تتجاوز الجانب العسكري، وتشمل ردود الفعل المحتملة، وتكاليف إعادة الإعمار، وتأثيرها على المدنيين.

وعلى الصعيد القانوني، يشير إلى تعقيد المسألة، موضحاً أن غياب التزام واشنطن ببعض البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة بشأن قانونية هذه الضربات، مع بقاء الجدل قائماً حول مشروعيتها السياسية والاستراتيجية.

نجاح تكتيكي أم غموض استراتيجي؟
في المقابل، يسلط ليبمان الضوء على الأداء الميداني، واصفاً إحدى عمليات الإنقاذ الأميركية بأنها استثنائية ومن بين الأبرز تاريخياً، معتبراً أنها تعكس مستوى عالياً من الكفاءة العسكرية.

ويرى أن مثل هذه النجاحات تعزز المعنويات داخلياً، لكنها لا تحسم الجدل حول ما إذا كانت الإنجازات التكتيكية تتحول إلى مكاسب استراتيجية. ويستحضر في هذا السياق تجارب تاريخية أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف بعيدة المدى.

ويشير إلى أن الاستراتيجية الأميركية قد تقوم على “الغموض المتعمد”، حيث يُستخدم عنصر عدم القابلية للتوقع كأداة لإرباك الخصم ومنعه من استباق الخطوات المقبلة، ما يجعل الضبابية جزءاً من أدوات إدارة الصراع.

شروط التسوية واحتمالات الاتفاق
على المسار الدبلوماسي، يطرح ليبمان إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنه يربط ذلك بجملة من الشروط الأساسية، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز، ووقف أنشطة الأذرع الإقليمية، وإنهاء البرنامج النووي، والتخلي عن البرنامج الصاروخي.

ويرى أن تحقيق هذه الشروط قد يمهد لرفع العقوبات، وربما انخراط دولي في إعادة الإعمار، لكنه يثير تساؤلات حول مدى استعداد طهران للالتزام بها، أو إمكانية القبول بحلول جزئية.

التصعيد كأداة تفاوضية
وفي هذا الإطار، يطرح ليبمان فكرة استخدام التصعيد العسكري المحدود كوسيلة ضغط تفاوضي، عبر تنفيذ ضربات انتقائية على أهداف مثل الجسور ومحطات الطاقة، بهدف اختبار رد الفعل الإيراني ودفعه نحو خيارات تفاوضية.

ويخلص إلى أن استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، رغم الضربات التي تعرضت لها، يعكس صعوبة القضاء الكامل على هذه القدرات، خاصة مع احتمال تلقي إيران دعماً من أطراف دولية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل حسمه أمراً بعيد المنال.

مشاركة