الغلاء في لبنان
الغلاء في لبنان

كتب محمد دهشة في نداء الوطن:

بلا هوادة، تتدحرج تداعيات الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان يومًا بعد يوم، متجاوزةً حدود الميدان العسكري حيث الغارات والمجازر، ومتخطيةً الأثر النفسي حيث النزوح والإيواء، لتغوص عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية ويظهر وجه الأزمة الأكثر قسوة: الغلاء.

لم يعد ارتفاع الأسعار خبرًا عابرًا، بل تحوّل إلى إيقاع يومي يفرض نفسه على كل بيت. فمع تشابك المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وإقفال مضيق هرمز، تتكثف الضغوط على اقتصاد لبناني هش أساسًا، لتولد أزمة معيشية شاملة، لا تستثني أحدًا.

في الشارع، لا تحتاج المؤشرات إلى تقارير اقتصادية معقدة. يكفي التوقف عند محطات الوقود، حيث تتبدّل الأرقام بسرعة مقلقة، أو ركوب سيارة أجرة، حيث تتضاعف التعرفة بشكل متسارع، أو التجول في أسواق الخضار، حيث باتت الأسعار تسبق قدرة الناس على الشراء. هناك، يُقاس حجم القلق، وتُترجم المخاوف أرقامًا يومية.

تشير مصادر سياسية إلى مجموعة أسباب تضافرت لتدفع بهذا الانفلات. أولها اعتماد لبنان شبه الكامل على الاستيراد، ما يجعله رهينة أي اضطراب إقليمي. ومع تصاعد المخاطر، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتتعرقل سلاسل الإمداد، فتُضاف أعباء جديدة تنعكس مباشرة على أسعار السلع.

ثاني الأسباب، الحرب الإسرائيلية الضروس المفتوحة حيث ساهم تدمير بعض الجسور جنوب الليطاني، والخشية من الاستهداف على الطرقات في عرقلة حركة النقل بين المناطق، لا سيما من البقاع والجنوب، ما أدى إلى تراجع تدفق الخضار والفواكه وارتفاع أسعارها بالتوازي مع زيادة الطلب.

وثالث الأسباب، الارتفاع العالمي في أسعار النفط، فقد وجد طريقه سريعًا إلى الداخل اللبناني، فارتفعت أسعار البنزين والمازوت، ومعها كلفة النقل. تعرفة سيارات الأجرة التي كانت تُعد مقبولة نسبيًا، قفزت إلى نحو مئتي ألف ليرة، وهي مرشحة لمزيد من الارتفاع، ما يجعل التنقل نفسه عبئًا يوميًا إضافيًا.

في موازاة ذلك، تجاوزت أسعار الخضار والفواكه قدرة الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، ليجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: دخل ثابت في مواجهة أسعار لا تعرف الثبات. حتى أبسط السلع، فقدت حصانتها، وكأن السوق فقد توازنه بالكامل.

تحذير ومخاوف

وقد حذر أحد أبرز تجار المواد الغذائية السيد محمد البقاعي، من تداعيات التصعيد العسكري على الواقع الاقتصادي في لبنان، لافتًا إلى أن كل المؤشرات تنذر بارتفاع الأسعار واحتمال نقص في السلع الأساسية، رغم استمرار الأسواق حتى الآن في حالة استقرار نسبي.

وأوضح البقاعي أن تضرّر البنية التحتية، خصوصًا قطع الطرق والجسور في جنوب لبنان، أدى إلى إرباك حركة التوريد، لا سيما في الخضار والدواجن، ما دفع الأسواق إلى الاعتماد على مصادر بديلة من مناطق شمال الأولي.

وأشار إلى أن وجود نحو 25 ألف عائلة نازحة في صيدا أسهم في زيادة الطلب ورفع معدلات الاستهلاك، ما شكّل ضغطًا إضافيًا على الأسواق والسكان، بالتزامن مع تحذيرات من تداعيات خطيرة محتملة في حال إقفال باب المندب على إمدادات المنطقة.

وكشف عن ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و13 %، نتيجة تعقيدات الإمداد وارتفاع كلفة النقل بفعل غلاء المحروقات، مؤكدًا أن الوضع لا يزال مقبولًا حاليًا، لكنه قابل للتدهور في حال استمرار التصعيد.

في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة اقتصاديةً فحسب، بل هي وجعٌ اجتماعيّ يتسلّل إلى تفاصيل الحياة. يتحوّل الخوف من المجهول إلى رفيقٍ يوميّ لا يغادر. لم تعد نيران الحرب تكتفي بحرق القلوب، بل امتدّت ألسنتها لتلتهم ما تبقى من نقودٍ في جيوب المواطنين.

مشاركة