كتبت جوانا فرحات في “المركزية”:
بعد أكثر من خمسة أعوام على جريمة تفجير مرفأ بيروت، لا يزال اللبنانيون أمام مشهد معقّد: قاضٍ يواصل تحقيقه وسط طعون وضغوطات، منظمات حقوقية ترفع الصوت دوليًا، وعائلات ٢٢٠ ضحية عدا عن آلاف الجرحى يرفضون التسويات السياسية، وقوى سياسية تتنازع تفسير الصلاحيات.
ويبقى السؤال الجوهري: هل ينجح قاضي التحقيق طارق البيطار في تجاوز الحواجز القانونية والسياسية وصولًا إلى قرار اتهامي واضح، أم يبقى ملف تفجير مرفأ بيروت أسير التوازنات اللبنانية الدقيقة؟
صرخة أهالي ضحايا تفجير المرفأ لم تجد حتى اللحظة من أو ما يطفئ حرقتها. آخر النداءات الموجهة للقاضي البيطار في نهاية العام ٢٠٢٥ تختصر ما يجب أن يٌقال ويُترجم بإسم الحق والعدالة: “صلوات الأمهات ترافق خطواتك… والدماء التي أزهقت لن تكون أداة للمناورة السياسية”. هم يدركون سلفا صلابة وإصرار وأحقية عمل القاضي البيطار، لكن يعلمون جيداً أن جوهر الأزمة يكمن في تداخل الصلاحيات بين القضاء العدلي والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، إضافة إلى إشكالية الحصانات النيابية والوزارية. ويعلمون أيضاً أن المشكلة ليست في النصوص بقدر ما هي في الإرادة السياسية لتطبيقها. وكلما اقترب التحقيق من مسؤولين نافذين، تتكاثر الدفوع الشكلية وتتحول الإجراءات إلى ساحة صراع دستوري.
جديد التحقيقات ما أورده الكاتب والمحلل السياسي يوسف دياب عن عودة ملف تفجير المرفأ إلى واجهة المشهد القضائي مع ورود أجوبة على استنابات خارجية كان قد وجّهها المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، تمهيداً لختم التحقيق وإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها قبل إصدار القرار الاتهامي المنتظر.
وكشف في مقالته أن القاضي البيطار عقد اجتماعاً مطوّلاً مع النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار للتنسيق حول الخطوات المقبلة. ونقلا عن مصادر قضائية يقول “إن البيطار تسلّم عبر النيابة التمييزية جواباً من السلطات الألمانية يتضمّن معطيات دقيقة عن حسابات مصرفية وتحويلات مالية لأشخاص يُشتبه بعلاقتهم بتمويل شحنة نترات الأمونيوم التي تسببت بالانفجار في ٤ آب ٢٠٢٠، ومن شأن هذه المعلومات أن تحسم نقاطا مهمة في مسار التحقيق.
إلا أن البيطار ينتظر بتّ أمرين أساسيين قبل إنجاز القرار: حكم الهيئة الاتهامية بشأن الاستئناف المقدّم من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، ضد قرار القاضي حبيب رزق الله الذي رفض دعوى الادعاء على البيطار بجرم “انتحال صفة محقق عدلي”، وورود استنابة أوروبية جديدة يعتبرها المحقق “بالغة الأهمية” لاستكمال الصورة النهائية.
في السياق تلفت مصادر معنية بالملف لـ”المركزية” أنّ بعد تذليل العقبات القانونية أمام البيطار بات إصدار القرار الظني بحكم المؤكد وفي أقرب وقت، إلا أن القاضي البيطار يتريث قبل إحالة القرار الإتهامي على النيابة العامة التمييزية للمطالعة، علما أنه بات يملك كامل المعطيات المطلوبة لا سيما بعد تلقيه ردا من الدولة الألمانية حول أسماء أشخاص وشركات يشتبه بارتباطها بشحنة نيترات الأمونيوم، والجهات التي تولّت استئجار السفينة روسوس. وتشير المصادر إلى أن هذه المعطيات فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التحقيق بحيث من المرجح أن يصار إلى استدعاء أشخاص جدد للتحقيق معهم”. وبناء عليه يفترض أن يصدر القرار الاتهامي الذي سيحدد المسؤوليات ويوجّه فيه الاتهامات بشكل واضح.
لعلها المرة الأولى التي تأتي فيها التطورات في ملف تفجير المرفأ على مستوى آمال اللبنانيين عموما وأهالي الضحايا، بعدما بات من الثابت أن التحقيقات أحرزت تقدما ملموسا في وقت كان لا يزال التحقيق القضائي معلقًا بسبب طعون قانونية وملفات رفعها بعض السياسيين المتهمين ضد القاضي البيطار، مما تسبب في عرقلة القرار الاتهامي والوصول إلى لحظة محاسبة رسمية للمسؤولين المفترض تورطهم في الانفجار.
إلّا أنّ حال الترقب لن تتوقف لدى عائلات الضحايا والشارع اللبناني في انتظار تحقيق العدالة في واحدة من أكثر الملفات القضائية تعقيدًا وإثارة للجدل في لبنان، ووسط مطالب مستمرة بإنهاء التسييس وفتح الطريق أمام مساءلة كاملة وشفافة.