كتب اتحاد درويش في الأنباء الكويتية:
السياسة الضريبية المعتمدة في لبنان: كيف يتم بناؤها ووفق أي أسس تقود إلى توفير الموارد اللازمة للخزينة؟ وكم تشكل الضريبة من مجمل إيرادات الدولة؟في هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث في الاقتصاد السياسي د.محمد موسى لـ «الأنباء»: «بداية أود أن أشد على يد الرئيس نواف سلام وحسنا فعل لخروجه ومصارحة الناس بالواقع المالي، لأن ما اتخذته الحكومة مؤخرا من زيادة على سعر صفيحة البنزين والضريبة على القيمة المضافة جعل اللبناني يشعر بكبوة من الحكومة التي كان عليها توضيح الأمور. وما تحدث به الرئيس سلام يعتبر مداميك أساسية لتصحيح الخلل المالي، وتعزيز العدالة الضريبية والإصلاح البنيوي على مستوى النظام المالي الضريبي في لبنان».ورأى موسى «أنه لا إمكانية لأي تمويل للنفقات من دون أن يكون لها مصدر تمويل واضح. والحكومة مدعوة في أي فجوة إلى تكوين مالية عامة جديدة لتتمكن من خلالها معالجة العجز المستشري منذ ١٩٩٢ إلى اليوم. وبالنظر إلى النظام المالي الذي هو كارثة يؤدي إلى رفع الضرائب، ما يعني أن لدينا عجزا دائما في الميزان التجاري، وعلى مستوى ميزان المدفوعات. وهذان يؤديان تلقائيا إلى الذهاب لرفع الضرائب، ولابد من معالجة ذلك عن طريق نظام ضريبي لا يرهق الفقراء والطبقة الوسطى ويحقق العدالة الضريبية».وتابع موسى «النظام الضريبي ان لم يكن عادلا معنى ذلك أن الدولة في حالة اختلال. ونحن في لبنان لسنا بعيدين عن هذا الاختلال الضريبي، فالضرائب حتى اليوم غير متوازنة وغير عادلة، والحكومات التي تعاقبت بعد الطائف وعلى رغم المحاولات التي جرت، لم نصل معها إلى النظام الضريبي الأمثل. بمعنى آخر، ضعف مالية الدولة جعلها رهينة النظام الضريبي. فالضريبة تشكل في كثير من الدول أداة للتمويل، ولكن لا تشكل ٨١% كما في لبنان والمتأتية من ضرائب مباشرة وغير مباشرة. وما تبقى ٢٠% هي الحصيلة غير ضرائبية والتي تتأتى من رسوم ومداخيل المؤسسات العامة، وكأن النظام المالي أصبح مرتبطا فقط بالضريبة، وهذا بحد ذاته خلل، لأن الضريبة هي أداة لتكون ميزان للعدالة لا يساوى فيها المقتدر بالفقير والمعدم. ولقد سمعنا وزير المالية يتحدث في جلسة مناقشة الموازنة، أن مئات الشركات خارج الإطار الضريبي أي أنها لا تدفع».وبالإشارة إلى مكافحة التهرب الضريبي، أشار موسى إلى جملة من التدابير، «من خلال تفعيل الأدوات الجمركية لمنع التهريب وضبط المعابر غير الشرعية وكشف المتورطين بالتهريب مهما بلغوا، والتوجه نحو اصلاح اداري حقيقي يؤدي إلى تفعيل المالية العامة، وتفعيل الجباية ورقمنتها وتصحيح قاعدة المكلفين وتحصيل الضرائب غير المدفوعة من كبار المكلفين».وقال «قدر صندوق النقد الدولي حجم التهرب الضريبي بما يقارب ٤ مليارات دولار، وهذا رقم مخيف. وانطلاقا من هنا أشارت الحكومة إلى إجراءات بالحجر الجمركي على بعض الشركات التي لا تدفع، وهي في هذا المجال مدعوة أكثر لتفعيل العنصر البشري ومراقبة الأفراد، حيث هناك صعوبة في ضبطهم. والجميع يعلم أن بعض السياسيين تحدث علنا عن وجود دفترين في الشركات الكبرى، واحد يقدم للدولة والحقيقي الذي يتحدث عن الأرباح يخفى عنها».ومضى قائلا «تعتمد الحكومات في كافة بلدان العالم كما في لبنان، على جملة من المداخيل التي تدخل في صلب إيراداتها وتشكل الرئة التي تتنفس من خلالها لتتمكن من دفع الرواتب والأجور وتمويل القطاعات التشغيلية والاستثمارية في القطاعات كافة. هذه الإيرادات الضريبية هي المدخل الأساسي لبناء سياسة مالية في أي دولة. والنشاط هنا يعتمد أولا وأخيرا على الضرائب كأحد أبواب الإيرادات الأساسية في بناء السياسة المالية للدولة. ومفهوم الضريبة الذي تطور عبر التاريخ هو ليس فقط أداة لجمع المال إنما لتحقيق المساواة. ففي الدول الراقية تفرض الضرائب بحسب الشرائح التي ترسم معالم النظام الضريبي الذي يأخذ من الاغنياء الذين يستطيعون ضمن النشاط التجاري أن يحققوا مدخولا أكثر، فيتحول هذا الإيراد الضريبي إلى دعم الرفاه الاجتماعي من جهة، والى تمويل نفقات الدولة وتأمين الخدمات الاجتماعية، آخذا في الاعتبار الشرائح الضعيفة عبر الدعم والتقليل من نسب الضرائب التي تدفعها. ومن هنا الحديث عن الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي أصبحت تتجلى في كل نظام ضريبي لحماية الفقراء».