معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين
معرض للتوظيف في مدينة هاربين شمال شرقي الصين

تتحرك الصين لإعادة رسم ملامح سياستها الاقتصادية عبر مقاربة مزدوجة تجمع بين تشديد الرقابة على القطاع المالي وتوسيع الانفتاح الخارجي، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين حماية الاستقرار المالي وتحفيز النمو، في وقت تواجه فيه بكين تباطؤًا ملحوظًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي.

وفي خطوة تعكس تشدد السلطات الصينية إزاء المخاطر المالية، كشفت بكين عن مشروع قانون مالي جديد يهدف إلى تعزيز الإشراف على القطاع المالي وفرض عقوبات أكثر صرامة على الأنشطة غير القانونية، ضمن مسار مستمر منذ سنوات للحد من المخاطر النظامية، خصوصًا مع تنامي الأنشطة المالية غير المنظمة وتراكم الديون في بعض القطاعات.

وترى دوائر صنع القرار في الصين أن تعزيز الإطار القانوني والرقابي بات ضرورة ملحّة في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد، من تباطؤ النمو إلى أزمة القطاع العقاري، إذ من شأن تشديد العقوبات على المخالفات أن يعزز الانضباط في السوق ويحد من الممارسات عالية المخاطر، بما يدعم ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

وفي المقابل، لم تقتصر التحركات الصينية على التشديد الداخلي، بل امتدت إلى توسيع الانفتاح المالي الخارجي، بعدما أعلن البنك المركزي الصيني وهيئة تنظيم النقد الأجنبي عن رفع سقف الإقراض الخارجي للشركات المحلية، في خطوة تستهدف دعم أنشطتها العابرة للحدود وتسهيل وصولها إلى التمويل، على أن تدخل القواعد الجديدة حيز التنفيذ في ٢٠ أبريل (نيسان) المقبل.

ويعكس هذا التوجه ازدواجية واضحة في السياسة الاقتصادية الصينية؛ فمن جهة تسعى الحكومة إلى ضبط المخاطر ومنع تراكم الاختلالات المالية، ومن جهة أخرى تعمل على تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تسهيل تدفقات رأس المال وتعزيز قدرة الشركات على التوسع عالميًا وزيادة تنافسيتها.

غير أن هذه الإصلاحات تأتي في وقت تُظهر فيه المؤشرات تراجعًا في جاذبية السوق الصينية للاستثمار الأجنبي، إذ أظهرت بيانات وزارة التجارة انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة ٥.٧ في المائة على أساس سنوي خلال أول شهرين من العام، لتصل إلى ١٦١.٥ مليار يوان (نحو ٢٣.٤٦ مليار دولار)، في إشارة إلى استمرار الضغوط التي تواجه بيئة الاستثمار في البلاد.

ويُعزى هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب المخاوف التنظيمية داخل الصين، فضلًا عن ضعف الطلب المحلي، لا سيما في قطاع العقارات، الذي لا يزال يلقي بثقله على المشهد الاقتصادي ويؤثر في شهية المستثمرين الأجانب.

وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات، تكثف بكين تحركاتها لطمأنة المستثمرين الدوليين، وهو ما برز في لقاء وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو مع الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك في بكين، حيث شدد الأخير على أهمية السوق الصينية بالنسبة للشركة، مشيدًا بالحوافز الحكومية الهادفة إلى تحفيز الاستهلاك.

ويحمل هذا اللقاء دلالات اقتصادية مهمة، إذ يعكس سعي الصين إلى الحفاظ على روابطها مع الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، بوصفها عنصرًا أساسيًا في جذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا، كما يؤكد أن بكين تراهن بشكل متزايد على تنشيط الاستهلاك المحلي باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو خلال المرحلة المقبلة.

مشاركة