الامن الغذائي
الامن الغذائي


لم تعد الحرب الدائرة حول إيران محصورة في أبعادها الجيوسياسية أو تأثيراتها على أسواق النفط، بل تحولت — بحسب تحليل لصحيفة “فاينانشال تايمز” — إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي، مع تحذيرات من احتمالات اتساع رقعة الجوع والمجاعة في عدد من الدول الأكثر هشاشة.

وتشير المعطيات إلى أن تداعيات الصراع تمتد إلى عمق منظومة الغذاء العالمية، بدءاً من إنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية وصولاً إلى سلاسل الإمداد والتمويل، في نظام بات مرتبطاً بشدة بأسواق الطاقة منذ عقود نتيجة ما يعرف بالثورة الخضراء.

فمنذ منتصف القرن الماضي، أسهمت الثورة الخضراء في رفع الإنتاج الزراعي عالمياً عبر استخدام البذور عالية الإنتاجية والأسمدة الصناعية، لكنها في المقابل ربطت الإنتاج الزراعي بشكل وثيق بالغاز والنفط، خاصة مع اعتماد الأسمدة النيتروجينية على الغاز الطبيعي.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب وتراجع تدفقات بعض المواد الأساسية، برزت مخاطر متزايدة على استقرار الأمن الغذائي، في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً.

وتظهر بيانات دولية حديثة أن أسعار الطاقة والأسمدة شهدت قفزات حادة، ما يهدد بموجة تضخم غذائي جديدة خلال عام 2026 إذا استمر التصعيد، وفق تقديرات من مؤسسات دولية بينها البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة.

ويبرز دور دول الخليج بشكل متزايد في هذه المعادلة، إذ لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت لاعباً محورياً في صناعة وتجارة الأسمدة، خاصة الأمونيا واليوريا والكبريت، التي تشكل ركائز أساسية للإنتاج الزراعي العالمي.

وتشير البيانات إلى أن عدداً من الدول الآسيوية والأفريقية يعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة القادمة من الخليج، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة، خصوصاً عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، مؤثراً مباشرة على الأمن الغذائي في مناطق واسعة من العالم.

كما توسعت دول الخليج في امتلاك وتطوير شركات وموانئ استراتيجية، ما عزز دورها في التحكم بسلاسل الإمداد الغذائية، سواء في الإنتاج أو النقل أو إعادة التصدير، مع بروز موانئ كبرى مثل جبل علي كمحاور رئيسية للتجارة العالمية.

وفي المقابل، تواجه الدول النامية ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وارتفاع كلفة الديون، ما يحد من قدرتها على مواجهة الصدمات الغذائية، في وقت تتجاوز فيه خدمة الدين في بعض الحالات الإنفاق على الصحة والتعليم.

وتحذر التحليلات من أن استمرار هذا المسار قد يدفع نحو أزمة غذاء ممتدة، ما لم يتم التحرك نحو حلول مستدامة تقلل الاعتماد على الطاقة في الزراعة، إلى جانب إجراءات عاجلة تشمل دعم الغذاء، وإعادة هيكلة الديون، وضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

مشاركة