أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا
أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا

تواجه السلطات في إندونيسيا اختباراً دقيقاً لثقة الأسواق، في ظل تزايد القلق بشأن استقرار السياسات الاقتصادية. فالتدخلات الأخيرة التي هدفت إلى تهدئة المستثمرين لم تحقق النتائج المرجوة، بل عمّقت الشكوك حيال القدرة على ضبط المسار المالي والنقدي في أكبر اقتصاد بجنوب شرق آسيا.

وبقيت الروبية الإندونيسية قريبة من أدنى مستوياتها القياسية منذ تعيين الرئيس برابوو سوبينتو ابن شقيقه نائباً لمحافظ البنك المركزي الشهر الماضي، في خطوة اعتبرها البعض مثار تساؤل حول استقلالية السياسة النقدية. ولم تفلح هذه الخطوة، ولا الوعود المتلاحقة بالإصلاح، في تبديد المخاوف التي تصاعدت عقب خفض موديز للتصنيف الائتماني السيادي، وانتقادات إم إس سي آي بشأن آليات تداول الأسهم.

ورغم تعافي المؤشر الرئيسي للأسهم من قاعه الأخير، فإنه لا يزال منخفضاً بأكثر من ٣ في المائة منذ بداية عام ٢٠٢٦، ليصبح من بين الأسوأ أداءً في المنطقة. كما كشف ضعف الطلب في مزاد الديون الحكومية الأسبوع الماضي حجم الرهانات القائمة: فالحكومة، إن لم تحظَ بدعم المستثمرين، ستضطر إلى دفع كلفة أعلى لتمويل برنامج إنفاق طموح يهدف إلى رفع النمو، لكنه يضع في المقابل ضغوطاً إضافية على المالية العامة.

ويرى فوزان لوثسا، المستشار في شركة «أورميت كيلولا نوسانتارا» في جاكرتا، أن «السياسة المؤقتة لا تحمي السوق، بل تجعل تسعيرها شبه مستحيل»، محذراً من أن النمط التفاعلي والمتغير باستمرار في صنع القرار هو الخطر الأكبر على الاستقرار.

الأسواق تبحث عن القدرة على التنبؤ

التحفظات لم تبدأ اليوم. فالمستثمرون الأجانب أبدوا حذراً تجاه برابوو حتى قبل انتخابه عام ٢٠٢٤، على خلفية برنامجه القائم على توسيع الدور الحكومي عبر خطط إنفاق تشمل الوجبات المدرسية والإسكان. ومنذ توليه المنصب، تراجعت الروبية بنحو ٧ في المائة، في إشارة إلى أن الأسواق لم تطمئن بعد إلى اتجاه السياسات.

وفي الشهر الماضي، وبعد تحذير «إم إس سي آي» من احتمال خفض تصنيف السوق إلى فئة الأسواق الحدودية، شهدت البورصة والهيئات التنظيمية استقالة خمسة مسؤولين رفيعي المستوى في يوم واحد. ورغم طرح إصلاحات لتحرير سوق الصرف وتشديد قواعد الإفصاح عن ملكية الأسهم، فإن سرعة الإعلان عنها وطبيعة بعض الإجراءات المفاجئة، مثل فرض غرامات على متهمين بالتلاعب، زادت المخاوف من مفاجآت تنظيمية جديدة.

وأكد محمد رضال تافيكوراهمان، رئيس مركز الاقتصاد الكلي والمالية في معهد تطوير الاقتصاد والمالية في إندونيسيا، أن «الأسواق لا تطلب تحفيزاً قصير الأجل بقدر ما تحتاج إلى قدرة على التنبؤ»، مشيراً إلى أن استعادة الثقة تتطلب ربعين أو ثلاثة بلا مفاجآت تنظيمية.

سوق السندات بوصلة المخاطر

يبقى مسار العملة وكلفة الدين السيادي المؤشر الأوضح على مزاج المستثمرين. فقد بلغ عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات ٦.٤٥٨ في المائة، بزيادة ٣٤ نقطة أساس منذ مطلع العام، فيما تقترب الروبية من مستوى ١٧ ألفاً مقابل الدولار، وهو حد نفسي قد يفاقم الضغوط إذا تم تجاوزه.

ويحذر محللون من أن أي بيع مكثف للدين السيادي من قبل المستثمرين الأجانب سيؤدي إلى ارتفاع العوائد، ما ينعكس مباشرة على العملة وسوق الأسهم. ويختصر محمد وافي، رئيس البحوث في «كوريا إنفسمنت» و«سيكيوريتاس إندونيسيا»، الصورة بالقول إن «سوق الأسهم مشتقة من الاستقرار الكلي، وإذا اضطربت سوق السندات ستتعمق الضغوط حتماً».

في المقابل، لا تزال الأسواق متشككة في جدوى برنامج الوجبات المجانية البالغة كلفته ٢٠ مليار دولار، والذي يُنظر إليه على أنه قد يهدد عقوداً من الانضباط المالي. كما أثارت قرارات أخرى، مثل تعديل حصص التعدين أو تعليق تصاريح بعض الشركات، تساؤلات حول اتساق السياسات.

وترى أليزيا بيراردي، من «معهد أموندي للاستثمار»، أن ما يهم الأسواق ليس التصريحات بل «السلوك المرصود»: وضوح الاتصالات، وإطار السياسات، والإجراءات الملموسة. محذّرة من أن أي إشارات إلى تمويل توسعي للعجز أو تساهل مع التضخم قد تكرّس علاوة مخاطر أعلى يصعب احتواؤها لاحقاً.

صحيح أن ارتفاع العوائد لا يرقى بعد إلى مستوى الأزمة، وقد يجذب بعض التدفقات الباحثة عن عوائد أعلى، إلا أن نزيف رؤوس الأموال الأجنبية يعكس قناعة متزايدة بأن المخاطر في تصاعد. ويختتم جيمس آثي، مدير صندوق الدخل الثابت في «مارلبورو»، المشهد بقوله: «كل خطوة قد تبدو جرحاً صغيراً، لكنها تتراكم. وما نشهده أخيراً يجعل من الصعب تسعير المخاطر، ويدفعني إلى مزيد من التحفظ».

مشاركة