يعيش كيليان مبابي واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ انضمامه إلى ريال مدريد، بعدما تحوّل سريعاً من الصفقة الأبرز في المشروع المدريدي إلى محور جدل واسع داخل إسبانيا، عقب الخسارة أمام ريال مايوركا بنتيجة 2-1، في مباراة أعادت خلط أوراق سباق الدوري الإسباني، ووسّعت الفارق مع برشلونة إلى سبع نقاط قبل ثماني جولات من النهاية.
اللافت أن الانتقادات هذه المرة لم ترتبط بغياب الأرقام، بل بغياب التأثير الحقيقي داخل الملعب. فرغم مشاركته الكاملة، لم يتمكن النجم الفرنسي من صناعة الفارق، ليجد نفسه في مرمى الصحافة المدريدية التي بدأت تتعامل معه بنبرة أكثر حدّة.
وذهب الإعلامي غوسيب بيدريرول إلى حد القول إن مبابي «لم يفهم بعد ما يعنيه ريال مدريد»، في إشارة إلى أن التسجيل وحده لا يكفي داخل نادٍ يقوم على الالتزام الجماعي والانضباط التكتيكي، وهو طرح أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول أدواره الدفاعية منذ أيامه مع باريس سان جيرمان تحت قيادة لويس إنريكي.
وبدا مبابي محبطاً خلال مواجهة ريال مايوركا، قبل أن يواصل بيدريرول انتقاداته قائلاً: «تياغو بيتارتش يثير حماساً أكبر من مبابي… صحيح أنه يسجل الأهداف، لكن ريال مدريد لم يتعاقد معه لهذا السبب فقط».
في المقابل، قدّمت صحيفة «ماركا» قراءة أكثر توازناً، إذ أكدت أن الفريق يحتاج إلى أهداف مبابي، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن ريال مدريد بدا أكثر انسجاماً خلال فترة غيابه، بعدما حقق خمسة انتصارات متتالية من دون مشاركته. وأضافت أن «مبابي لم يكن سيئاً، لكنه لم يكن حاسماً»، لا سيما في ظل تألق الحارس ليو رومان خلال المباراة.
أما صحيفة «آس»، فذهبت في الاتجاه نفسه، معتبرة أن «أرقام مبابي لا جدال فيها، وكذلك موهبته الكبيرة، لكن في الوقت الحالي يبدو وكأن هناك كوكبين يسيران كل واحد في مسار مختلف»، في إشارة إلى غياب الانسجام الكامل بين اللاعب ومنظومة الفريق.
وسط هذا الضغط الإعلامي، برز عامل جديد زاد المشهد تعقيداً: الجماهير. إذ لم يكتفِ بعض مشجعي ريال مدريد بالانتقادات، بل ذهبوا إلى خطوة غير مسبوقة عبر إطلاق موقع إلكتروني يحمل اسم mbappe2029.com، في رسالة تعكس حجم الانقسام حول اللاعب داخل محيط النادي.
ويعرض الموقع عدّاداً تنازلياً دقيقاً حتى 30 يونيو (حزيران) 2029، موعد نهاية عقد مبابي، وكأن القائمين عليه ينتظرون لحظة إسدال الستار على التجربة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتضمن أيضاً ما يشبه «حاسبة مالية» تُظهر بشكل متجدد تكلفة اللاعب على النادي، حيث تشير الأرقام المعروضة إلى أن ما تم إنفاقه حتى الآن تجاوز 126 مليون يورو، في محاولة ساخرة للتشكيك في جدوى الصفقة مقارنة بالمردود داخل المستطيل الأخضر.
ورغم هذا الجدل، تبقى مكانة مبابي الفردية راسخة على الورق، إذ يمتد عقده مع ريال مدريد حتى صيف 2029، فيما تُقدّر قيمته السوقية، بحسب «ترانسفر ماركت»، بنحو 200 مليون يورو، ما يجعله واحداً من أغلى لاعبي العالم. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لم تعد كافية لإقناع جماهير «سانتياغو برنابيو»، التي لا تبحث عن هداف فقط، بل عن لاعب قادر على حمل الفريق في اللحظات الكبرى.
اليوم، يقف مبابي أمام اختبار حقيقي مع اقتراب المواجهة المرتقبة أمام بايرن ميونخ في دوري أبطال أوروبا، وهي المباراة التي قد تعيد رسم صورته بالكامل. ففي ريال مدريد، لا تُقاس النجومية بعدد الأهداف فقط، بل بالقدرة على الحسم حين تشتد الحاجة.