يُنظر إلى النوم غالباً على أنه فترة راحة سلبية للجسم، إلا أن دوره يتجاوز ذلك بكثير، إذ يُعد عنصراً أساسياً في الحفاظ على صحة القلب وسلامة الجهاز القلبي الوعائي. وعلى الرغم من أن النوم لا يُصنَّف نشاطاً بدنياً يُدرّب القلب، فإنه يسهم بشكل فعّال في تنظيم وظائفه وحمايته من المخاطر. وتشير أبحاث حديثة إلى أن العادات المرتبطة بمواعيد النوم قد تكون عاملاً حاسماً في تقليل أو زيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وقد توصل باحثون فنلنديون، في دراسة تناولت عادات النوم، إلى أن الالتزام بموعد ثابت للنوم يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، حتى في حال عدم كفاية مدة النوم أو تدني جودته.
وفي ظل إصابة ملايين الأشخاص حول العالم بأمراض القلب، التي تُعد السبب الأول للوفاة بين البالغين، تبرز أهمية البحث عن تغييرات بسيطة وفعّالة في نمط الحياة يمكن أن تسهم في الوقاية من هذه الأمراض والحد من مخاطرها.
تفاصيل الدراسة ونتائجها
تابع الباحثون أنماط النوم لدى أكثر من ثلاثة آلاف شخص بالغ في منتصف العمر على مدى نحو عشر سنوات، باستخدام أجهزة قابلة للارتداء تقيس النوم ومؤشرات حيوية أخرى.
وأظهرت النتائج أن انتظام ثلاثة عناصر رئيسية—وهي وقت النوم، ووقت الاستيقاظ، ونقطة منتصف النوم (الوقت الواقع في منتصف فترة النوم)—يمكن أن يشكل مؤشراً مهماً للتنبؤ بمشكلات القلب مستقبلاً.
وتبيّن أن الأشخاص الذين ينامون أقل من ثماني ساعات يومياً يكونون أكثر عرضة لمخاطر أمراض القلب في حال عدم انتظام مواعيد نومهم، خاصة عند تذبذب وقت النوم أو نقطة منتصفه. في المقابل، أظهرت النتائج أن النوم لأكثر من ثماني ساعات قد يسهم في تقليل المخاطر، بغض النظر عن توقيت النوم.
أهمية التوازن في مدة النوم
رغم ذلك، يظل تحقيق التوازن في عدد ساعات النوم أمراً ضرورياً، إذ تشير دراسات أخرى إلى أن الإفراط في النوم قد يرتبط بمشكلات أيضية مثل السكري، مما يؤكد أهمية الاعتدال.
وأوضحت الباحثة لورا ناوها، المؤلفة الرئيسية للدراسة، أن هذه النتائج تُعد الأولى من نوعها التي تفصل تأثير كل من وقت النوم ووقت الاستيقاظ ونقطة منتصف النوم، وتبحث في علاقة كل منها بشكل مستقل بأمراض القلب. وأضافت أن انتظام وقت النوم تحديداً قد يكون العامل الأكثر أهمية، لأنه يعكس استقرار نمط الحياة اليومي.
دور الساعة البيولوجية
تُبرز هذه النتائج الدور الحيوي للساعة البيولوجية، وهي نظام داخلي ينظم العمليات الحيوية على مدار 24 ساعة، بما في ذلك إفراز الهرمونات ووظائف الأعضاء. ويُعد انتظام هذا الإيقاع أساسياً للوقاية من العديد من الأمراض، بدءاً من الاضطرابات الأيضية وصولاً إلى أمراض القلب.
العلاقة بين اضطراب النوم وصحة القلب
يرى الباحثون أن اضطراب مواعيد النوم قد يخلّ بتوازن الساعة البيولوجية، مما يحرم القلب من فترات الراحة المثلى ويزيد من احتمالات تعرضه للإجهاد على المدى الطويل.
كما يلعب الإجهاد المزمن دوراً محورياً في هذه العلاقة، إذ تؤثر ضغوط الحياة—مثل العمل والتوتر النفسي—سلباً في جودة النوم وانتظامه، وفي الوقت ذاته تُعد من العوامل التي تضر بصحة القلب.