يحمل العيد في جوهره ما لا تستطيع أي تقنية أن تصنعه؛ ذلك الدفء الذي يتسلّل من اجتماع العائلة تحت سقف واحد، ورائحة الطعام التي تملأ البيت، وضحكات الأطفال وهم يتسابقون نحو العيدية. لكن شيئاً ما تبدّل، بهدوء وببطء، حتى صار المشهد مختلفاً عمّا كان عليه، من دون أن ينتبه كثيرون إلى حجم التحوّل منذ بداياته.
فملامح الاحتفاء بعيد الفطر لم تعد كما عرفتها الأجيال السابقة، بعدما فرض التحوّل الرقمي حضوره على أدقّ التفاصيل. ما كان يُعاش كطقس اجتماعي دافئ، صار في كثير من الأحيان تجربة رقمية سريعة، تُنجز عبر الهاتف وتُستهلك عبر الشاشة. صحيح أن التكنولوجيا نجحت في تقليص المسافات، وربطت بين الأقارب والأصدقاء مهما ابتعدت الجغرافيا، لكنها في المقابل أدخلت نوعاً جديداً من العزلة إلى قلب التجمعات نفسها.
من العادة إلى المحتوى
في زمن الأجيال الجديدة، ولا سيما جيل Z، لم يعد «طقم العيد» مجرد ثياب جديدة تُرتدى بفرح، بل تحوّل إلى صورة ومشهد ومحتوى بصري يُحضَّر بعناية قبل أن يُنشر على منصات التواصل. فالعيد لم يعد يُعاش فقط داخل البيت أو الحي أو العائلة، بل بات يُعرض أيضاً في «الساحات الرقمية»، حيث يختلط التراث بالمظهر، والفرح الحقيقي بصورة قابلة للمشاركة والتداول.
هذا التحوّل لا يقتصر على المظهر فقط، بل يمتد إلى الممارسة ذاتها. فوفق تقارير تناولت أنماط الاحتفال الحديثة في عدد من المجتمعات، انتقلت بعض الطقوس المرتبطة بالعيد، مثل الزكاة أو التبرعات، من الصناديق التقليدية إلى المنصات الرقمية السريعة، في انعكاس لرغبة الشباب في توظيف التكنولوجيا لخدمة القيم الروحية والاجتماعية بطريقة أكثر مرونة وسرعة.
التهنئة… من اللمسة الشخصية إلى الرسالة المكرّرة
كان إرسال بطاقات التهنئة أو تبادل العبارات وجهاً لوجه يحمل معنى خاصاً، لأن كل كلمة كانت تُقال لشخص بعينه، وكل بطاقة كانت تحمل أثراً من صاحبها. اليوم، باتت تهاني العيد تمرّ غالباً عبر تطبيقات مثل «واتساب» و»إنستغرام» و»فيسبوك»، وغالباً ما تكون رسالة واحدة تُرسل إلى عشرات، وربما مئات الأشخاص، خلال ثوانٍ معدودة.
لا شكّ أن السرعة هنا مكسب واضح، لكنّ الأثر العاطفي لم يعد هو نفسه. فحين يشعر المتلقي أنه مجرد اسم ضمن قائمة طويلة، تفقد التهنئة شيئاً من خصوصيتها، ويبهت ذلك الإحساس القديم الذي كان يجعل للمعايدة طعماً مختلفاً.
وينسحب المشهد نفسه على العيدية، التي كانت في الماضي لحظة بحدّ ذاتها: يدٌ كبيرة تضع الورقة النقدية في يد صغيرة، ونظرة حنان، وابتسامة، وربما دعوة قصيرة ترافقها. اليوم، قد تصل العيدية عبر تطبيق تحويل مالي أو رسالة إلكترونية، صحيحة في قيمتها المادية، لكنها في كثير من الأحيان ناقصة في رمزيتها العاطفية.
حين تحكم الشاشات مجلس العيد
المفارقة الأوضح أن التكنولوجيا التي قرّبت البعيدين، باتت أحياناً تُباعد بين القريبين. ففي كثير من مجالس العيد، تفرض الهواتف حضورها على المشهد: أحدهم يوثّق طبق الكنافة، وآخر يردّ على رسائل متراكمة، وثالث يتصفّح محتوى لا علاقة له بالمناسبة أصلاً.
الجميع يجلسون في غرفة واحدة، لكنّ كلّ واحد منهم يعيش في فضاء مختلف. الحديث يتقطّع، والانتباه يتوزّع، واللحظة التي كان يُفترض أن تكون مشتركة تصبح مجزأة بين إشعارات وصور ورسائل ومقاطع عابرة.
جيل Z وجيل ألفا… عيدان في مناسبة واحدة
يحمل جيل Z علاقة مزدوجة مع العيد. فهو الجيل الذي نشأ في بدايات العصر الرقمي، لكنه لم يولد داخله بالكامل، لذلك لا تزال لديه ذاكرة انتقالية تربطه بالبطاقات الورقية، والزيارات العائلية، والتجمعات التي لا تحتاج إلى توثيق كي تكون حقيقية. لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى ثقافة الصورة، فيوثّق اللحظة قبل أن يعيشها أحياناً، ويُعيد تشكيلها بصرياً قبل أن يشاركها.
أما جيل ألفا، فلا يملك هذه الذاكرة الانتقالية أصلاً. بالنسبة إليه، الشاشة ليست وسيلة، بل جزء من الواقع نفسه. قد تصله العيدية عبر رمز تعبيري، وتأتيه التهنئة في صورة متحركة، وقد يبدو له الاتصال المرئي بديلاً طبيعياً عن الزيارة الفعلية. هذا لا يعني أن تجربته أقلّ قيمة، لكنها بالتأكيد مختلفة جذرياً عن التجربة التي عرفتها الأجيال السابقة.
التوثيق… ذاكرة جديدة لا يمكن إنكارها
ومع كل ما سبق، لا يمكن إنكار الوجه المضيء لهذا التحوّل. فما كانت تحفظه ألبومات الصور الورقية قديماً، يحفظه اليوم الأرشيف الرقمي. الصور، المقاطع، الرسائل، والذكريات المخزّنة على الهواتف والمنصات، باتت تشكّل ذاكرة جماعية جديدة، قابلة للاسترجاع في أي وقت، وربما أكثر صموداً من الذاكرة الورقية التي كانت تتلف أو تضيع.
الجيل الجديد لا يُهدر لحظاته بالضرورة، بل يحتفظ بها بطريقة مختلفة. هو لا ينسى، لكنه يتذكّر عبر الشاشة.
بين التقنية والحنين… أين تبقى روح العيد؟
في النهاية، لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها. فهي قادرة على أن تصل الرحم المقطوع بالمسافات، وأن تمنح المغتربين فرصة الحضور ولو من خلف الشاشة، وأن تحفظ لحظات ربما كانت ستضيع. لكنها، في المقابل، قد تنتزع من العيد شيئاً من دفئه حين تتحوّل من وسيلة إلى بديل كامل عن الحضور الإنساني.
لذلك، ربما لا يحتاج العيد في العصر الرقمي إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى شيء من التوازن: أن نستفيد منها حين نحتاجها، وأن نضعها جانباً حين يحين وقت اللقاء الحقيقي. فبعض اللحظات لا تُختصر برسالة منسوخة، ولا تُعوّضها حوالة مالية، ولا تُحفظ روحها في صورة فقط… لأن العيد، في جوهره، ما زال يعيش في التفاصيل التي لا تلتقطها الشاشة.