نشعر بالوحدة
نشعر بالوحدة

حذّر خبراء صحة أميركيون في وقت سابق من أن الوحدة المزمنة أصبحت أزمة صحية عامة، بعدما أظهرت دراسات عدة ارتباطها بمشكلات نفسية وجسدية، مثل الاكتئاب وأمراض القلب والأوعية الدموية، بل وحتى بزيادة خطر الوفاة.

وبحسب تقرير نشره موقع Psychology Today، تشير تقارير عديدة إلى أن عدد الأصدقاء في حياة الأفراد أصبح أقل من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه النصائح حول كيفية بناء علاقات جديدة. كما يتواصل الجدل حول دور الهواتف الذكية والعمل عن بُعد في إضعاف الحياة الاجتماعية وعزل الأفراد عن بعضهم البعض.

لكن السؤال الأهم، وفق الخبراء، هو: لماذا يشعر الناس بالوحدة أساساً؟

تراجع «الأماكن الثالثة»

يرى عالم الاجتماع راي أولدنبورغ أن المجتمعات الصحية تعتمد على ما يُعرف بـ«الأماكن الثالثة»، وهي مساحات اجتماعية غير رسمية يجتمع فيها الناس خارج المنزل والعمل، مثل المقاهي، أو نوادي الهوايات، أو مجموعات الأنشطة التطوعية.

وتُعد هذه الأماكن بيئة طبيعية للتفاعل المتكرر بين الأفراد، حيث يلتقي الناس بشكل دوري ويتبادلون الحديث والأنشطة المشتركة، ما يسمح بتطور العلاقات تدريجياً حتى تتحول إلى صداقات حقيقية. فالمنزل يمثل «المكان الأول»، والعمل «المكان الثاني»، بينما تشكّل هذه المساحات الاجتماعية «المكان الثالث» الذي يعزز الروابط المجتمعية.

إلا أن هذه المساحات تشهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مع انخفاض الإقبال على النوادي والجمعيات الاجتماعية، ما قلل فرص التواصل المباشر بين الناس.

البيئة الاجتماعية ودورها

يميل كثيرون إلى اعتبار الوحدة شعوراً شخصياً نابعاً من داخل الفرد، لكن بعض الباحثين يطرحون تفسيراً مختلفاً، إذ يرون أن المشكلة قد تكون مرتبطة بالبيئة الاجتماعية أكثر من العاطفة الفردية. فاختفاء المساحات التي كانت تتيح اللقاء المتكرر والتواصل المباشر قد أدى إلى تآكل الشبكات الاجتماعية التي كانت تدعم العلاقات الإنسانية.

كيف تتكوّن الصداقات؟

تشير الدراسات في علم الاجتماع إلى أن الصداقات نادراً ما تتشكل نتيجة محاولة مباشرة لـ«تكوين صداقات»، بل تنشأ غالباً من خلال التفاعل المتكرر والأنشطة المشتركة والتعارف التدريجي. فمع تكرار اللقاءات، يبدأ الأفراد بالكشف عن جوانب أكثر من شخصياتهم، ما يؤدي إلى بناء الثقة وتطور العلاقة بمرور الوقت.

كما أظهرت الأبحاث أن المشاركة في الأنشطة التطوعية أو الجمعيات الاجتماعية ترتبط بارتفاع مستويات الرضا عن الحياة وزيادة الثقة وتحسن الصحة النفسية. ويُعرف ذلك بما يسمى «رأس المال الاجتماعي»، وهو شبكة العلاقات التي توفر للفرد دعماً عاطفياً ومادياً.

وفي ضوء هذه النتائج، يرى الباحثون أن معالجة الوحدة المزمنة لا تقتصر على نصائح فردية مثل العناية بالنفس أو تقليل استخدام الهاتف أو حتى العلاج النفسي. فهذه الإجراءات قد تساعد الشخص على التكيف، لكنها لا تعيد بناء البنية الاجتماعية التي تسهّل تكوين العلاقات.

لذلك، يؤكد الخبراء أن ما يحتاجه الأفراد حقاً هو فرص متكررة للتفاعل حول اهتمامات مشتركة، تسمح برؤية الأشخاص أنفسهم بانتظام، حتى تتحول الألفة تدريجياً إلى ثقة وعلاقات مستقرة. كما يشيرون إلى أن العلاقات الرومانسية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل شبكة اجتماعية أوسع من الروابط الإنسانية.

مشاركة