تتجه أنظار العالم، السبت، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تُعقد مفاوضات إيرانية – أميركية مفصلية، قد تشكّل محطة حاسمة في مسار الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، وسط ترقّب واسع لما قد تحمله من اختراق سياسي أو انهيار جديد للهدنة الهشّة.
ومع اقتراب موعد اللقاء، لا يقتصر الاهتمام على نتائج المباحثات فحسب، بل يمتد إلى الشخصيتين اللتين ستقودان الوفدين: رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن الجانب الإيراني، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على رأس الوفد الأميركي.
ويُعد اختيار قاليباف لإدارة المفاوضات مفاجئاً لكثيرين، نظراً لما يُعرف عنه من مواقف متشددة حيال الغرب وإسرائيل، ما جعله اسماً مثيراً للانتباه في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية.
فبعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها إيران، من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 شباط الماضي، وسقوط شخصيات بارزة في هرم السلطة، كان اسم علي لاريجاني مطروحاً بقوة لتولّي هذا الدور، قبل أن يُغتال بدوره، ليتقدم قاليباف إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز الوجوه القادرة على الإمساك بخيوط المرحلة.
ويُعتبر قاليباف، المولود في 23 آب 1961 في خراسان، من أكثر الشخصيات نفوذاً في النظام الإيراني، وقد جمع بين الخلفية العسكرية والحضور السياسي والإداري. فهو مقرّب من الحرس الثوري الإيراني، وشغل سابقاً منصب قائد سلاح الجو في الحرس بين عامي 1997 و2000، قبل أن يتولى رئاسة قوات إنفاذ القانون بين 2000 و2005، ثم رئاسة بلدية طهران من 2005 إلى 2017، وصولاً إلى رئاسة البرلمان الإيراني منذ عام 2020.
كما خاض قاليباف السباق الرئاسي أربع مرات، أعوام 2005 و2013 و2017 و2024، قبل أن ينسحب في انتخابات 2017 قبيل يوم الاقتراع.
وبعد اغتيال لاريجاني، تعززت صورة قاليباف باعتباره أحد أبرز رجال المرحلة في طهران، حتى وُصف في بعض الأوساط بأنه “الرجل القوي” القادر على الجمع بين القرار السياسي وإدارة التوازنات العسكرية.
ولم يغب حضوره عن المشهد الإعلامي خلال الحرب، إذ استخدم حسابه على منصة “إكس” لإطلاق رسائل نارية عكست توجهاته، فلوّح بتغيّر قواعد الاشتباك في مضيق هرمز، وتحدث عن دخول “معادلة العين بالعين” حيّز التنفيذ، كما سخر من التصريحات الأميركية بشأن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، قبل أن يرد على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف مراكز الطاقة، محذّراً من أن أي استهداف للجزر الإيرانية سيؤدي إلى “نفاد كل ضبط للنفس”.
في المقابل، يقود الوفد الأميركي جي دي فانس، أحد أبرز الوجوه الصاعدة في معسكر ترامب، والذي انتقل خلال سنوات قليلة من مقاعد مجلس الشيوخ إلى البيت الأبيض كنائب للرئيس.
وُلد جيمس ديفيد فانس، المعروف باسم جيه دي فانس، في 2 آب 1984 في ميدلتاون بولاية أوهايو، وكان اسمه الأصلي جيمس دونالد بومان، قبل أن يتخذ لاحقاً اسم عائلة والدته “فانس”. وعاش طفولة صعبة بعد انفصال والديه، في ظل معاناة والدته من الإدمان، لينشأ في معظم سنواته الأولى برعاية جدّيه.
وفي عام 2003، التحق بـسلاح مشاة البحرية الأميركية، قبل أن يتابع مسيرته الأكاديمية، فنال شهادة في العلوم السياسية والفلسفة من جامعة ولاية أوهايو عام 2009، ثم تخرج في كلية الحقوق بجامعة ييل عام 2013.
وبرز اسم فانس على نطاق واسع بعد صدور مذكراته الشهيرة “مرثية ريفية” عام 2016، التي تحولت إلى أحد أكثر الكتب مبيعاً، ولفتت الأنظار إلى سيرته الشخصية وتجربته مع الطبقة العاملة الأميركية.
وفي عام 2022، دخل الحياة السياسية من بوابة مجلس الشيوخ الأميركي ممثلاً لولاية أوهايو عن الحزب الجمهوري، قبل أن يختاره دونالد ترامب في 2024 ليكون مرشحه لمنصب نائب الرئيس، في خطوة رفعت من حضوره الوطني ورسخت موقعه داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب.
ورغم أن فانس لم يكن في البداية من مؤيدي ترامب، فإن موقفه تغيّر تدريجياً، ليتحول لاحقاً إلى أحد أكثر حلفائه ولاءً، مدعوماً بعلاقة وثيقة مع دونالد ترامب الابن.
وتكتسب هذه المهمة أهمية استثنائية بالنسبة إلى فانس، إذ تشير تقارير أميركية إلى أنها قد تكون أبرز محطة في مسيرته السياسية حتى الآن، خصوصاً أنه يقود محاولة لإنهاء حرب لم يكن متحمساً لها منذ بدايتها.
وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير عن أن طهران تفضّل التفاوض مع فانس مقارنةً بأسماء أخرى مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في ظل تراجع الثقة ببعض الوسطاء السابقين.
وفي المقابل، تنظر الإدارة الأميركية إلى قاليباف باعتباره شريكاً محتملاً في المرحلة المقبلة، وربما أحد الوجوه القادرة على لعب دور أكبر داخل إيران بعد الحرب، ما يمنحه وزناً مضاعفاً على طاولة التفاوض.
ومن المقرر أن يصل الوفد الإيراني إلى إسلام آباد مساء اليوم، على أن تنطلق المفاوضات، السبت، بمشاركة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى جانب قاليباف.
أما الوفد الأميركي، فيقوده جي دي فانس، ويضم كذلك ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وتأتي هذه المباحثات في وقت لا تزال فيه المخاوف الدولية قائمة من انهيار وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة، مع دخول الهدنة يومها الثاني، وسط تحذيرات من أن أي تعثر في إسلام آباد قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دوامة التصعيد.