يحاول سكان طهران التمسك بإيقاع حياة شبه طبيعي رغم الحرب، لكن تفاصيلهم اليومية لم تعد كما كانت. فالكثيرون باتوا يفتقدون أبسط العادات التي كانت تمنحهم شيئاً من الطمأنينة، كارتياد مقهى أو التنزه في الحديقة أو قضاء ليلة هادئة بعيداً عن أصوات القصف.
بالنسبة إلى فاطمة، وهي مساعدة في عيادة لطب الأسنان، يتحول الجلوس في مقهى لبضع دقائق إلى مساحة هروب مؤقت من واقع ثقيل. تقول الشابة البالغة ٢٧ عاماً إن تلك اللحظات تمنحها شعوراً عابراً بأن العالم لم ينتهِ بعد، وكأنها تستعيد، ولو للحظات، حياة عادية لا يهيمن عليها الخوف من الموت أو فقدان الأحبة.
وتضيف أنها، إذا لم يمنعها القصف من النوم، تحاول أن ترتدي ملابس أنيقة وتضع شيئاً من الزينة قبل خروجها صباحاً، لكن هذا الإحساس العابر يتلاشى سريعاً مع عودتها إلى المنزل، حيث تستعيد الحرب سوادها وثقلها.
ورغم دخول الحرب شهرها الثاني، لا تزال الحياة مستمرة في العاصمة الإيرانية شكلياً؛ فالمقاهي والمطاعم ما زالت مفتوحة، والمتاجر لم تخلُ من البضائع، ومحطات الوقود لا تزال تعمل. إلا أن ما تبدّل فعلياً هو شعور الناس بالأمان، في مدينة باتت تعيش تحت وطأة القلق اليومي، والانقطاع الواسع للإنترنت، والحواجز الأمنية التي انتشرت في أحياء كانت حتى وقت قريب تنعم بالهدوء.
وتقول شهرزاد، وهي ربة منزل في التاسعة والثلاثين، إنها لم تعد تغادر منزلها إلا للضرورة القصوى، محاولةً التماسك من أجل ابنتها. لكنها تعترف بأن المستقبل بات غامضاً إلى حد يصعب معه التمسك بأي صورة واضحة للحياة المقبلة. وتضيف أن الطهو هو الشيء الوحيد الذي بقي لها من حياتها قبل الحرب، وما زال يساعدها على الحفاظ على معنوياتها، رغم نوبات البكاء المفاجئة التي تنتابها شوقاً إلى أيام عادية خالية من التفكير الدائم بالموت والانفجارات.
أما إلناز، الرسامة البالغة ٣٢ عاماً، فتقول إن أكثر ما تفتقده هو تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكل روتينها الطبيعي: الخروج ليلاً، التوجه إلى متجر أو فرن خارج حيّها، الجلوس للقراءة في مقهى، أو ارتياد المتنزه. وتؤكد أن أكثر ما تتوق إليه اليوم هو ليلة نوم هادئة، في ظل ليالٍ يهتز فيها كامل المدينة تحت وطأة القصف العنيف.
وتختصر إلناز أولوياتها اليوم بكلمة واحدة: الصمود. كل ما يشغلها هو البقاء على قيد الحياة مع من تحب، من عائلة وأصدقاء وسكان المدينة الذين تقول إنهم باتوا أكثر تضامناً من أي وقت مضى في هذه المحنة.
من جهته، يؤكد شايان، وهو مصور في السادسة والأربعين، أن الخدمات الأساسية لا تزال متوافرة، من مياه وكهرباء ووقود، وأن الناس ما زالوا يخرجون ويحاولون التمسك ببعض الطقوس، حتى إنهم سعوا إلى الاحتفال بعيد النوروز، لكن الحرب تفرض حضورها الثقيل على كل شيء.
وتزداد قتامة المشهد مع انتشار صور الأطفال الذين قُتلوا في الحرب في شوارع العاصمة، في مشهد يختلط فيه الحداد بالركام والخوف.
ولا يقتصر العبء على القصف وحده، إذ يشكو كاوا، الفنان التشكيلي البالغ ٣٨ عاماً، من تشديد القبضة الأمنية وانتشار الحواجز التي تنصبها قوات الأمن وأنصار النظام لمنع أي احتجاجات محتملة. ويقول إن سكان المدينة باتوا يضطرون أحياناً لعبور عدة نقاط تفتيش في يوم واحد، تُدار كل واحدة منها من جهة مختلفة، حيث تُفتش السيارات وتُفحص محتويات الهواتف المحمولة، فيما ينعكس الغضب المكبوت منذ أشهر على المواطنين العاديين.
وقبل أيام، التقط كاوا شظية صاروخ سقطت على بعد نحو ٥٠ متراً من منزله، آملاً في أن يحولها يوماً إلى قطعة فنية، حين تسمح له الظروف بذلك. لكن صور الزجاج المحطم والغبار المتناثر لا تغيب عن ذهنه، كما لا يفارقه سؤال واحد يختصر هواجس الإيرانيين اليوم: ما الذي ينتظر البلاد، وما الذي يمكن أن يغيّر هذا الواقع فعلاً؟