قائد الجيش العماد رودولف هيكل
قائد الجيش العماد رودولف هيكل

كتبت أمل شموني في نداء الوطن:

مع تصاعد حدة الضربات العسكرية الإسرائيلية وتزايد التدقيق من قبل الكونغرس، تختبر زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمساعدات المشروطة في ظل هشاشة تنفيذ وقف إطلاق النار. فمع توجهه إلى تامبا (فلوريدا) وواشنطن، لم يحمل هيكل مجرد إحاطات عسكرية، بل حمل معه سيادة لبنان الهشة، ووقف إطلاق نار على وشك الانهيار، وآخر ما تبقى من صبر البيت الأبيض على استراتيجيات &#٨٢٢٠;احتواء سلاح حزب الله&#٨٢٢١;.

وتأتي هذه الزيارة في لحظة حاسمة. وقد أعيدت جدولتها بعد أن كان إلغاؤها في تشرين الثاني الماضي بمثابة &#٨٢٢٠;تحذير واضح&#٨٢٢١; لبيروت بشأن تعثر جهود نزع سلاح &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١;. إذ يصادف وصول هيكل في ٣ شباط إلى واشنطن مع عقد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب جلسة استماع بعنوان &#٨٢٢٠;السياسة الأميركية تجاه لبنان: عقبات أمام تفكيك قبضة &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; على السلطة&#٨٢٢١;، بمشاركة الباحثين ديفيد شينكر وحنين غدار ودانا سترول، وجميعهم من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

ومن المرجح أن يلتقي هيكل مروحة من الشخصيات العسكرية والسياسية الأميركية أبرزها مساعد وزير الحرب لشؤون الأمن الدولي دانيال زمرمان، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي دان كاين، وسيباستيان غوركا ووين ووال من مجلس الأمن القومي، وروبرت بالادينو المسؤول الأرفع في مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلسي الكونغرس أبرزهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب برايان ماست والعضو الديمقراطي في اللجنة غريغوري ميكس، والسيناتوران ليندسي غراهام وجين شاهين وأعضاء من لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إضافة إلى أعضاء تجمع الصداقة الأميركية اللبنانية في الكونغرس. كذلك يلتقي هيكل مع الجالية اللبنانية والعربية خلال حفل استقبال دعت إليه سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض في دارة السفارة. من هنا قد تتحول زيارة هيكل من مجرد مشاورات عسكرية روتينية إلى &#٨٢٢٠;اختبار سياسي بالغ الأهمية&#٨٢٢١;، يطاول مستقبل المساعدات الأميركية للبنان والجيش اللبناني والتي تتجاوز ١٥٠ مليون دولار سنويًا، ويضعها على المحك، بحسب مصادر دبلوماسية.

ولفتت هذه المصادر إلى أن اتفاق تشرين الثاني ٢٠٢٤ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة كان من المفترض أن ينهي القتال بين إسرائيل و&#٨٢٢١;حزب الله&#٨٢٢١;، مُلزمًا بنزع السلاح غير الشرعي بالكامل… ومع أن المرحلة الأولى اعتبرت إنجازًا رغم محدوديتها، إلا أن واشنطن تترقب إنهاء هيمنة &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; وبسط سلطة الدولة في أسرع وقت، Time is of the essence.

ويعكس التباين بين إعلان الجيش والتقييمات الأميركية تحديات أعمق في التنفيذ على أرض الواقع. من هنا أشارت مصادر دبلوماسية أميركية إلى أنها نصحت هيكل بتحضير الزيارة بدقة مُدعّمة بوثائق وبيانات تعكس التزام الجيش رغم &#٨٢٢٠;قدراته المحدودة&#٨٢٢١;، خصوصًا وأن اجتماعات تامبا تصب في خانة تدعيم الجيش لوجستيًا، وهو مشروع بدأت القيادة المركزية الأميركية دراسته منذ أكثر من سنة ويعكس نظرة البنتاغون إلى أهمية دور الجيش الحيوي للبنان. في المقابل، يقول مصدر عسكري أميركي إن &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; اتخذ موقفًا يتسم بـ &#٨٢٢٠;الامتثال الانتقائي&#٨٢٢١; لتسليم السلاح، مشيرًا إلى أن &#٨٢٢٠;الحزب يحتفظ بترسانة صاروخية قصيرة ومتوسطة المدى، بينما يعمل على إعادة بناء صفوف وحدة الرضوان&#٨٢٢١;.

وتتزامن زيارة هيكل إلى واشنطن مع إعادة صياغة جذرية للاستراتيجية الدفاعية الأميركية لتعكس الاستعداد لتحوّل جذري عن عقدين من الموقف العسكري الذي تمحور حول الشرق الأوسط، خصوصًا وأن النظام في طهران يمر بأضعف مراحله منذ عقود مترافقًا مع تراجع دراماتيكي لـ &#٨٢٢٠;محور المقاومة&#٨٢٢١; الذي يضم &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; و &#٨٢٢٠;حماس&#٨٢٢١;. في هذا الإطار، قال مصدر في الخارجية الأميركية إن ذلك يُرسّخ الشروط الأميركية والتي تفيد بأن على البنتاغون أن يقدّم إحاطات تُثبت التقدّم المُحرز في نزع السلاح بحلول حزيران ٢٠٢٦، مع إمكانية تعليق المساعدات في حال عدم التعاون. وأضاف المصدر أن الكونغرس يُلزم وزارتي الخارجية والدفاع بالتصديق على أن الجيش اللبناني لا يُنسق مع &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١;، وأنه يُحرز تقدمًا ملموسًا في أمن الحدود، والحد من انتشار الأسلحة.

في الوقت نفسه، يقول مصدر في الكونغرس أن عقد جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بالتزامن مع زيارة هيكل إلى واشنطن ليس من قبيل الصدفة. فقد ازداد استياء الصقور في الكونغرس مما يرونه &#٨٢٢٠;مماطلة من جانب الجيش مما سمح ويسمح لـ &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; بترميم هيكليته&#٨٢٢١;، من هنا يؤكد المصدر أن تمويل الجيش اللبناني يجب يكون من بين أدوات الضغط التي تستخدمها واشنطن وحلفائها لحث الحكومة اللبنانية على مواصلة خطط نزع السلاح غير الشرعي&#٨٢٢١;.

وتُعدّ الولايات المتحدة أكبر مانح للجيش حيث قدّمت أكثر من ٣ مليارات دولار في الفترة من ٢٠٠٦ إلى ٢٠٢٥. وبدون هذه المساعدة العسكرية لن تتمكن بيروت من بسط السيادة الكاملة على قرارها لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية وعدم وجود شهية أوروبية أو خليجية لسد الفجوة اللوجستية.

من هنا يزور هيكل واشنطن حاملاً معه ملفًا شاملًا حول جهود الجيش المستمرة لنزع سلاح &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١;، فضلًا عن احتياجات الجيش لتنفيذ مهمته. غير أنه سيواجه &#٨٢٢٠;Tough crowd&#٨٢٢١;. وتشير مصادر أمنية أميركية إلى أن المناقشات ستتضمن عروضًا تفصيلية مدعومة بالأرقام والوثائق والخرائط التي توضح العمل المنجز خلال المرحلة الأولى أي جنوب الليطاني، بالإضافة إلى لمحات عن المراحل اللاحقة، بما في ذلك عمليات شمال الليطاني، ومصادرة الأسلحة، وتفكيك المنشآت، وتطهير الأنفاق، والجهود المبذولة في المخيمات الفلسطينية وعلى طول الحدود السورية، ومكافحة المخدرات والتهريب.

في هذا الإطار، يرى محللون أميركيون أن &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; لن يقبل بالمرحلة الثانية من نزع السلاح. وهذا سيخلق حلقة مفرغة: تستمر الضربات الإسرائيلية لأن &#٨٢٢٠;الحزب&#٨٢٢١; يحتفظ بالأسلحة ويعيد بناء قدراته؛ ويرفض نزع السلاح لأن الضربات الإسرائيلية تنتهك بنود وقف إطلاق النار؛ ويجد الجيش اللبناني نفسه عالقًا في الوسط، عاجزًا عن بسط سيطرته دون إشعال فتيل صراع داخلي أو تصعيد خارجي.

ويؤثر أداء حركة هيكل في واشنطن بشكل مباشر على مؤتمر باريس المقرر عقده في آذار المقبل، حيث سيُقرر المانحون مستقبل الجيش المالي رغم أن بيروت تعوّل كثيرًا على المؤتمر لحشد الدعم المالي واللوجستي.

ويتوقع المتفائلون أن تُسفر زيارة هيكل عن مكاسب تدريجية. فقد أكد دبلوماسي أميركي سابق أن نتائج لقاءات هيكل ستعتمد على توافق عدة عوامل أبرزها استمرار الدعم الأميركي والدولي، وضبط النفس الإسرائيلي في الضربات لإتاحة مساحة للجيش اللبناني للعمل، وواقعية &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; في إدراك ضعف موقفه بعد حرب ٢٠٢٤، وصولًا إلى توافق سياسي لبناني يتجاوز الانقسامات الطائفية.

في المقابل، يحذر المتشائمون من دوامة مفرغة تؤدي إلى توقف المساعدات وصولًا إلى نتائج لا تحمد عقباها. في هذا الإطار، لا يستبعد الدبلوماسي الأميركي أن يمارس الصقور في الكونغرس ضغوطًا لفرض عقوبات لبنان. ويتمثل السيناريو الأسوأ، برأيه، في انزلاق لبنان مجددًا إلى دوامة الصراع التي سادت عام ٢٠٢٤، حيث يجد الجيش اللبناني نفسه عالقًا بين &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; والعمليات الإسرائيلية، وتوقف الدعم الدولي.

ويحث دبلوماسيون سابقون وباحثون أميركيون دوائر واشنطن السياسية والعسكرية على استغلال &#٨٢٢٠;فرصة إضعاف طهران وأذرعها من خلال تسريع إجراءات دعم الجيش وفرض عقوبات على المعرقلين من سياسيين وعسكريين&#٨٢٢١;. لكنهم في موازاة ذلك، يحذرون الحكومة اللبنانية من سياسة حافة الهاوية الطائفية في لبنان. فالفشل في نزع سلاح &#٨٢٢٠;حزب الله&#٨٢٢١; يُسرّع من وتيرة التراجع &#٨٢١١; الانسحاب الأميركي، والأحادية الإسرائيلية. وبالنسبة لإدارة ترامب الثانية، يختبر لبنان ما إذا كان &#٨٢٢٠;السلام من خلال القوة&#٨٢٢١; وتقاسم الأعباء بين الحلفاء قادر على احتواء سلاح وكلاء إيران من دون حاجة لوجود قوات برية.

ويخلص مصدر في البيت الأبيض إلى أن شهر شباط يمثل أهم فترة دبلوماسية للبنان منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني ٢٠٢٤، فيما أشار دبلوماسي أميركي سابق إلى أنه على هيكل أن &#٨٢٢٠;لا يكتفي بتسويق خطط عسكرية لواشنطن، بل دعاه ليروّج لفكرة أن لبنان ما زال قادرًا على العمل كدولة. وهذا أمر يصعب إقناع الأميركيين به من دون نهج عملي results-oriented approach&#٨٢٢١;.

مشاركة