تعبيرية عن التوتر
تعبيرية عن التوتر

تؤدي الهواتف الذكية إلى قدر من التشتت المستمر والتوتر المتواصل، إذ تتيح للمستخدمين الهروب السريع من أفكارهم ومشاعرهم الحالية بمجرد لمسة واحدة. ففي دراسة معروفة أُجريت عام 2014، تبيّن أن بعض المشاركين وجدوا صعوبة كبيرة في البقاء بمفردهم داخل غرفة هادئة لمدة 15 دقيقة، لدرجة أن عددًا منهم فضّل تعريض نفسه لصدمة كهربائية مزعجة بدل الاستمرار في مواجهة أفكاره الداخلية.

ووفقًا لما نشره موقع مجلة “The Conversation”، فإن كثيرًا من الأشخاص يتجنبون البقاء مع أفكارهم ومشاعرهم وأحاسيسهم الجسدية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث رُبط ذلك بزيادة معدلات القلق والاكتئاب ومشكلات الصحة النفسية.

في المقابل، تُعد اليقظة الذهنية مهارة يمكن اكتسابها وتطويرها عبر التدريب، حيث يقوم الأفراد بتوجيه انتباههم إلى اللحظة الحالية، بما فيها من أفكار ومشاعر وأحاسيس جسدية، مع تقبّلها دون حكم أو مقاومة.

ويمكن ممارسة اليقظة الذهنية من خلال لحظات يومية بسيطة يبقى فيها الشخص واعيًا لما يقوم به أو يراه أو يشعر به، إلى جانب التأمل الرسمي الذي يتطلب تدريبًا منتظمًا يساعد على تنمية التركيز والتقبل. وتشير الدراسات إلى أن تدريب التقبل أثناء التأمل يمكن أن ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية.

ورغم الاعتقاد الشائع بأن اليقظة الذهنية مرتبطة بالراحة والاسترخاء، فإن الأبحاث تُظهر أن ممارستها قد تكون صعبة أحيانًا، إذ يواجه المتدربون خلال التأمل مشاعر غير مريحة بشكل متكرر، بل أكثر من المشاعر الإيجابية في بعض الحالات.

ومع ذلك، فإن مواجهة هذه التجارب الصعبة قد تحمل فوائد مهمة، إذ تساعد على تقليل الشعور بالوحدة وزيادة المشاعر الإيجابية، بالإضافة إلى خفض مستويات هرمونات التوتر وتعزيز القدرة على ملاحظة الجوانب الإيجابية في المواقف الضاغطة. ويُعد “التقبل” العنصر الأساسي في تحقيق هذه الفوائد.

وعندما يُستبعد التقبل من ممارسة اليقظة الذهنية، تتراجع هذه النتائج الإيجابية بشكل واضح، ما يؤكد أهميته في العملية.

وتقوم الفكرة الأساسية لليقظة الذهنية على التوجه نحو التجارب الصعبة مثل التوتر والملل والألم، بدلًا من الهروب منها أو تشتيت الانتباه عنها، وذلك عبر ملاحظتها كما تظهر في الجسد والعقل دون إصدار أحكام.

ويُستخدم في هذا السياق تشبيه “السهمين”، الذي يوضح نوعين من المعاناة: الأول هو الألم أو التجربة غير السارة نفسها، مثل الإرهاق أو قلة النوم، أما الثاني فهو رد الفعل تجاه هذا الألم، كالمقاومة أو النقد الذاتي أو تضخيم المشاعر السلبية، وغالبًا ما يكون هذا السهم الثاني أكثر إيلامًا من الأول.

وفي ممارسة اليقظة الذهنية، لا يهدف الفرد إلى التخلص من المشاعر السلبية، بل إلى تقبّلها والتخفيف من ردود الفعل المبالغ فيها تجاهها، ما يقلل من المعاناة الكلية.

فعلى سبيل المثال، يمكن للشخص أن يسمح لنفسه بالشعور بالملل دون اللجوء الفوري إلى المشتتات، أو أن يتعامل مع القلق والحزن بانفتاح بدل كبتها أو تضخيمها بالنقد الذاتي.

ومن الطرق المفيدة في هذا السياق تخيّل الأفكار والمشاعر كضيوف يزورون العالم الداخلي، يتم استقبالهم وملاحظتهم دون مقاومة، وقد يشبه البعض ذلك باحتضان شعور صعب كما لو كان طفلًا يحتاج إلى الهدوء.

وتشير النتائج إلى أن التغيير الحقيقي في طريقة التعامل مع الضغوط يأتي من خلال الممارسة المستمرة، حيث تساهم الخطوات الصغيرة المتكررة في إعادة تشكيل الاستجابة للتوتر وتعزيز المرونة النفسية والشعور بالراحة مع مرور الوقت.

مشاركة