بعد نهاية حرب السنوات السبع عام 1763، فرضت بريطانيا هيمنتها على شمال القارة الأميركية، بعدما نجحت في إقصاء فرنسا عن معظم نفوذها في المنطقة. لكن هذا الانتصار الإمبراطوري لم يمر بهدوء داخل المستعمرات الثلاث عشرة، إذ سرعان ما تصاعد غضب المستوطنين الأميركيين من السياسات البريطانية، خصوصاً بعد فرض الضرائب من دون تمثيل سياسي في البرلمان، وهو الشعار الذي تحوّل لاحقاً إلى أحد أبرز عناوين التمرّد: “لا ضرائب بلا تمثيل”. وقد شكّلت أحداث مثل مذبحة بوسطن عام 1770، ثم القوانين العقابية البريطانية، مقدمة مباشرة لانفجار حرب الاستقلال الأميركية في أبريل (نيسان) 1775.
ومع اندلاع المواجهات الأولى في ليكسنغتون وكونكورد خلال عام 1775، أدركت القوات الأميركية الناشئة أن الاستمرار في الحرب ضد الإمبراطورية البريطانية لن يكون ممكناً من دون تأمين البارود والسلاح. فقد استنزفت المعارك الأولى مخزون الجيش القاري والميليشيات، في وقت كانت فيه المستعمرات تعاني نقصاً حاداً في الذخيرة، ما دفع قادة الكونغرس القاري والجيش إلى البحث سريعاً عن مصدر قريب للتزوّد بالسلاح.
ناسو… الهدف الأسهل والأكثر إغراءً
في تلك الأثناء، برزت مدينة ناسو في جزر الباهاما بوصفها هدفاً مثالياً. فقد كانت السلطات البريطانية قد خزّنت هناك كميات كبيرة من البارود والمدافع والبنادق، بعيداً من المستعمرات الثائرة، بهدف منع سقوطها في أيدي الجيش القاري. وكان حاكم الباهاما البريطاني مونتفورت براون قد عمل على توزيع هذا العتاد داخل حصون محلية في الجزيرة، في محاولة لتحصينه من أي محاولة استيلاء. لكن العزلة الجغرافية للجزيرة، وضعف الحامية البريطانية فيها، جعلاها في نظر الأميركيين هدفاً سهلاً نسبياً، وخصوصاً في مرحلة كانت فيها الثورة بأمسّ الحاجة إلى أي مخزون عسكري.
وفي خضم هذا النقص، كانت المستعمرات الثلاث عشرة قد أنشأت حديثاً البحرية القارية، كما شكّل الكونغرس القاري في نوفمبر (تشرين الثاني) 1775 وحدات مشاة البحرية القارية، في خطوة تُعدّ البداية الفعلية لما سيصبح لاحقاً سلاح مشاة البحرية الأميركي. وقد أُسندت إلى هذه القوة الوليدة واحدة من أولى مهامها الكبرى: تنفيذ إنزال بحري على ناسو والسيطرة على مخزون البارود البريطاني فيها.
إيسيك هوبكينز يقود أول إنزال أميركي
ولتنفيذ هذه المهمة، عُيّن القائد البحري إيسيك هوبكينز، الذي يُعد أول قائد للبحرية القارية، على رأس الأسطول المكلف بالعملية. وكان الهدف المعلن واضحاً: الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من البارود والسلاح، وفي الوقت نفسه إثبات أن البحرية الأميركية الناشئة قادرة على ضرب المصالح البريطانية خارج حدود المستعمرات، ولا سيما في الكاريبي وطرق الأطلسي. وقد انطلق هوبكينز بأسطول مؤلف من سفن جرى تجهيزها وتسليحها، في واحدة من أولى العمليات الهجومية البحرية المنظمة في التاريخ الأميركي.
وفي مطلع مارس (آذار) 1776، وصل أسطول هوبكينز إلى مشارف ناسو. وتشير المصادر إلى أن خطته الأولى كانت تقوم على دخول الميناء مباشرةً ومباغتة المدينة، لكن انكشاف تحركات السفن الأميركية دفع البريطانيين إلى رفع حالة التأهب، ما اضطر هوبكينز إلى تعديل خطته سريعاً. وبدلاً من الهجوم المباشر، أمر بإنزال قوة على الساحل الشرقي الأقل تحصيناً، في خطوة بدّلت مسار العملية بالكامل.
200 جندي… ونجاح بلا مقاومة تقريباً
وبحسب الروايات التاريخية، نُفذ الإنزال يوم 3 مارس 1776، حيث نزلت قوة قوامها نحو 230 من مشاة البحرية القارية، مدعومة بحوالي 50 بحاراً، بقيادة صامويل نيكولاس، على شاطئ غير محمي نسبياً شرق ناسو. وتمكنت القوة من التقدم سريعاً والسيطرة على فورت مونتاغو، قبل أن تتجه نحو فورت ناسو الذي سقط في اليوم التالي، وسط مقاومة محدودة للغاية. وتُعد هذه العملية أول إنزال برمائي في تاريخ مشاة البحرية الأميركية، وأول عملية هجومية ناجحة من هذا النوع للقوات الأميركية.
لكن النجاح لم يكن كاملاً بالمعنى العسكري الصرف. فمع اقتراب الأميركيين، تمكن الحاكم البريطاني مونتفورت براون من تهريب جزء مهم من البارود قبل سقوط المدينة، ما حرم القوات الأميركية من كامل الغنيمة التي كانت تأملها. ومع ذلك، حصل المهاجمون على كمية معتبرة من المدافع والهاونات والبنادق، وهو ما جعل العملية ذات قيمة استراتيجية كبيرة، رغم ضياع جزء من الهدف الأساسي. بعض الروايات تشير إلى أن البريطانيين هرّبوا أكثر من 150 برميلاً من البارود، بينما استولى الأميركيون على عشرات القطع المدفعية والذخائر الأخرى.
غنيمة الحرب… ورسالة القوة
وبين يومي 3 و4 مارس 1776، سجّل الأميركيون نجاحاً لافتاً في أول اختبار حقيقي لقوتهم البحرية البرمائية. فقد مكثت القوات الأميركية بضعة أيام في ناسو لتأمين تحميل العتاد العسكري على السفن، قبل الانسحاب والعودة إلى المستعمرات الثلاث عشرة. ورغم أن العملية لم تحقق كل ما خُطط لها من حيث كمية البارود، فإنها كانت ذات أثر معنوي وسياسي كبير، إذ أثبتت أن الثورة الأميركية لم تعد محصورة في الدفاع داخل المستعمرات، بل باتت قادرة على شن هجمات خارجية منظمة ضد أهداف بريطانية.
كما أن هذه العملية رسّخت مكانة مشاة البحرية القارية بوصفها قوة تدخل خاصة للبحرية، وأصبحت لاحقاً تُستعاد في الذاكرة العسكرية الأميركية باعتبارها العملية الأولى التي دشّنت تقليد الإنزال البحري الأميركي. وتشير موسوعات التاريخ العسكري الأميركي إلى أن معركة ناسو كانت أول معركة لمشاة البحرية الأميركية وأول نجاح برمائي في سجلّها.
من البارود إلى تأسيس العقيدة العسكرية
لم تكن غزوة ناسو مجرد غارة للحصول على الذخيرة، بل شكلت لحظة مفصلية في مسار الحرب وفي تطور العقيدة العسكرية الأميركية. ففي وقت كانت الثورة لا تزال في بداياتها، أثبتت هذه العملية أن الأميركيين قادرون على تحويل النقص إلى مبادرة، وعلى استخدام البحر كمساحة للمناورة لا كساحة تهديد فقط. وبين الحاجة إلى البارود والرغبة في إثبات الحضور، وُلد أول إنزال بحري أميركي من رحم الضرورة… لكنه سرعان ما تحول إلى سابقة عسكرية ستؤسس لقرون من الحروب البرمائية الأميركية.