النفط


تعيد التطورات المتسارعة في فنزويلا وضع قطاع الطاقة العالمي أمام منعطف حاسم، بعد العملية الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كاراكاس، في خطوة تجاوزت أبعادها الأمنية لتتحول إلى حدث سياسي–اقتصادي بالغ التأثير على أسواق النفط وشركات الطاقة الكبرى.

وبدا واضحاً أن التحرك الأميركي يأتي ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الهيدروكربونية، لا سيما أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة عالمياً، لكنها تعاني في المقابل من انهيار حاد في الإنتاج والبنية التحتية نتيجة عقود من سوء الإدارة والفساد والعقوبات الدولية.

ومع اعتقال مادورو، تتصاعد التوقعات بإعادة فتح القطاع النفطي الفنزويلي أمام الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً الأميركية، في محاولة لإنعاش الاقتصاد المتداعي وتخفيف الضغوط عن سوق الطاقة العالمي. وتفتح هذه المرحلة الباب أمام إعادة تقييم شاملة للمستفيدين المحتملين، بدءاً من شركات الإنتاج والتكرير، مروراً بملفات التعويضات العالقة منذ عهد هوغو تشافيز، وصولاً إلى تأثيرات محتملة على تدفقات النفط وأسعاره عالمياً.

وفي هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن شركة شيفرون كانت آخر شركة نفط أميركية كبرى واصلت الإنتاج في فنزويلا، بعد انسحاب شركات مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس. واستمرت شيفرون في العمل بفضل استثناءات مؤقتة من العقوبات الأميركية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق وقف أنشطتها، قبل أن يتراجع لاحقاً ويسمح لها بمواصلة عملياتها.

وباتت شيفرون اليوم في موقع متقدم للاستفادة من التحولات الجارية، خاصة بعد تكثيف الضغوط الأميركية لتشجيع استثمارات شركات الطاقة في فنزويلا. ويرجع ذلك إلى رهان مبكر اتخذته الشركة قبل نحو عقدين، حين قبلت الاستمرار في البلاد رغم سياسات التأميم التي انتهجها هوغو تشافيز، على عكس إكسون وكونوكو فيليبس اللتين انسحبتا وسعتا لاحقاً، دون نجاح يُذكر، لتحصيل تعويضات بمليارات الدولارات.

ورغم أن فنزويلا كانت تنتج في عام 1997 نحو 5 بالمئة من نفط العالم، إلا أن الإنتاج تراجع حالياً إلى نحو 1 بالمئة فقط من الإمدادات العالمية، نتيجة تدهور القطاع بفعل الإهمال وسوء الإدارة.

ويرى رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، أن المستفيد الأول من التطورات الأخيرة هو قطاع النفط والغاز، وعلى رأسه شركات الطاقة الأميركية الكبرى. ويؤكد أن شيفرون تتمتع بأفضلية واضحة بفضل استمرار وجودها في فنزويلا، ما يتيح لها الاستفادة من أي انفتاح محتمل في الصادرات أو مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، وهو ما انعكس بالفعل على أداء سهمها في الأسواق.

ويضيف أن كونوكو فيليبس مرشحة أيضاً لتحقيق مكاسب، سواء عبر العودة للاستثمار أو من خلال تسويات قانونية تتعلق بمطالبات مالية عالقة، في حين قد تلعب إكسون موبيل دوراً مؤثراً على المدى المتوسط، سواء بالعودة إلى النشاط أو تحصيل تعويضات مرتبطة بقضايا تحكيم سابقة.

ولا يقتصر الأثر الإيجابي على شركات الإنتاج، بل يمتد إلى شركات الخدمات النفطية ومعدات الطاقة، مثل شلومبرجير، التي قد تستفيد من الحاجة الكبيرة إلى صيانة وتحديث البنية التحتية المتقادمة. كما قد تستفيد شركات التكرير الأميركية، مثل ماراثون بتروليوم وPBF Energy، نظراً لقدرتها على معالجة الخام الفنزويلي الثقيل، ما قد يخفض التكاليف ويحسن هوامش الربح.

في المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن ملف التعويضات لا يزال يمثل عقبة رئيسية، إذ تسعى شركات نفط غربية لاسترداد عشرات المليارات من الدولارات المستحقة لها منذ عهد تشافيز، وهو ما قد يقيّد قرارات الاستثمار الجديدة ما لم تتم تسوية هذه الديون.

من جهته، يرى رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، أن المستفيد الأكبر فعلياً هو قطاع مصافي التكرير في الولايات المتحدة، خاصة تلك الواقعة في خليج المكسيك والمصممة خصيصاً لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن ارتفاع بعض الأسهم في سوق كاراكاس لا يعكس بالضرورة تعافياً حقيقياً للاقتصاد.

ويؤكد يرق أن تعافي قطاع النفط الفنزويلي يتطلب استثمارات ضخمة تمتد لسنوات طويلة، قد تصل إلى عقد كامل، في ظل التهالك الشديد للبنية التحتية. فبعد أن كانت البلاد تنتج أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، يتراوح إنتاجها حالياً بين 700 و900 ألف برميل فقط.

ويخلص إلى أن المكاسب الحقيقية للشركات ستكون على المدى الطويل، في ظل استمرار الضبابية السياسية، مشيراً إلى أن الاستفادة المستقبلية قد تمتد أيضاً إلى قطاعات التعدين والموارد الطبيعية، في حال اتجهت فنزويلا نحو انفتاح اقتصادي واستقرار سياسي يسمح بإعادة تشغيل هذه القطاعات بفاعلية.

البحث