الصحف

مع دخول العالم عامه الثالث منذ إطلاق “شات جي بي تي”، يشهد قطاع الصحافة تحولات هيكلية عميقة.

وفي أحدث دراسة للمستقبل، نشر معهد “رويترز” لدراسة الصحافة تقريرًا جمع توقعات 17 خبيرًا إعلاميًا من كبريات المؤسسات العالمية حول شكل الأخبار في عام 2026، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي لن يظل مجرد أداة مساعدة، بل سيصبح البيئة الأساسية التي تعيد صياغة علاقة الجمهور بالمعلومة.

عصر “اقتصاد الإجابات” وتراجع الروابط التقليدية
يشير الخبراء إلى أن الجمهور سيتحول من البحث التقليدي عن الروابط إلى طلب إجابات مباشرة عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي. تتوقع جينا تشوا، المحررة التنفيذية في Semafor، تسارع استخدام روبوتات الدردشة للوصول للمعلومات، مما سيستمر في تقليل الزيارات المباشرة للمواقع الإخبارية.
من جانبه، يرى إزرا إيمان من NPO الهولندية أن التحدي الأكبر للناشرين لن يكون مجرد دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل، بل ضرورة دمج أنفسهم داخل منظومة الذكاء الاصطناعي التي ستصبح واجهة الجمهور الشاملة للمعلومات.

المحتوى يتحول إلى تجربة ذكية
يتوقع الخبراء تغيرًا جذريًا في شكل المحتوى. تشير سانوتا راغو من Scroll Media إلى أن مفهوم “مقال واحد = قصة واحدة” في طريقه للزوال، حيث سيصبح المقال مجرد “بوابة ذكية” تسحب موادًا سياقية من الأرشيف بحسب حاجة القارئ لحظيًا.
ويضيف أليساندرو ألفياني من Süddeutsche Zeitung أن عام 2026 سيشهد تلاشي الحدود بين القراءة والاستماع، مع ظهور “تجارب محادثة صوتية” لا تعتمد على الشاشات، ما يستدعي تصميم صحافة مرنة تجمع بين الإجابات السريعة والتقارير العميقة.

الحقيقة تصبح سلعة نادرة
في ظل محتوى مولد آليًا بكثرة، ستصبح “الحقيقة” من أثمن الموارد. يحذر جوشوا أوغاوا من Nikkei من أننا دخلنا عصر “التزييف العميق”، حيث لن يكفي مجرد رؤية المعلومات لتصديقها، ما يجعل الاستثمار في أدوات التوثيق الرقمي ضرورة قصوى. ويتفق معه شووي فانغ من كلية كينيدي بجامعة هارفارد، مؤكدًا أن المنتج المستقبلي للمؤسسات الصحفية لن يكون المحتوى بحد ذاته، بل القدرة على الإجابة بسرعة وموثوقية على سؤال الجمهور: “هل هذا حقيقي؟”.

غرف الأخبار تتغير من الداخل
داخليًا، تتجه غرف الأخبار نحو إعادة هيكلة وظائفها. تشير روبينا فيليون من New York Times إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح محوريًا في صياغة المسودات والبيانات الوصفية، تحت إشراف تحرير صارم.
وفي مجال صحافة البيانات، يرى مارتن ستاب من Financial Times أن الذكاء الاصطناعي سيمكّن الصحفيين من استخراج المعلومات الدقيقة من كميات ضخمة من الوثائق، ما سيدفع المؤسسات لتبني وظائف “هندسة البيانات” بدلاً من الاعتماد فقط على أرشيفاتها الداخلية.

يشير تقرير “رويترز” إلى أن عام 2026 لن يكون عامًا للتجربة، بل للتطبيق الجذري، حيث ستنجح المؤسسات التي تفهم أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية إضافية، بل النظام البيئي الجديد الذي ستعيش فيه الصحافة أو تموت داخله.

البحث