أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تعديلاً وزارياً محدوداً طال حقيبتي العدل والداخلية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، واعتبرتها المعارضة تصعيداً جديداً ضدها، فيما رأى محللون أنها قد تمهّد الأرضية لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة.
وبموجب مرسوم رئاسي صدر بعد منتصف ليل الثلاثاء ونُشر في الجريدة الرسمية فجر الأربعاء، عُيّن المدعي العام في إسطنبول أكين غورليك وزيراً للعدل خلفاً ليلماز تونتش، كما عُيّن والي أرضروم مصطفى تشيفتشي وزيراً للداخلية خلفاً لعلي يرلي كايا، وذلك عقب استقالة الوزيرين السابقين.
وزير العدل في قلب العاصفة
تركّز الجدل بصورة أساسية على تعيين غورليك وزيراً للعدل، إذ اعتبرته المعارضة «مكافأة سياسية» على الدور الذي لعبه في التحقيقات بحق رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، المنتمي إلى حزب «الشعب الجمهوري» المعارض. ورأت أن الخطوة تعزز مزاعمها بأن قضايا الفساد والرشوة المرفوعة ضد إمام أوغلو تحمل أبعاداً سياسية.
وكان غورليك قد تولّى منصبه في مكتب الادعاء العام بإسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وعُرف بتشدده في القضايا المتعلقة ببلديات يديرها «الشعب الجمهوري». وفي 19 مارس (آذار) 2025، أصدر مذكرة توقيف بحق إمام أوغلو قبل أيام من انتخابات تمهيدية داخل الحزب حصل فيها الأخير على أكثر من 15 مليون صوت لترشيحه للرئاسة، ما فجّر موجة احتجاجات واسعة عُدّت الأكبر منذ أكثر من عقد.
كما صدرت خلال ولايته أوامر توقيف بحق 16 رئيس بلدية من الحزب نفسه، إلى جانب فتح تحقيقات بحق رئيس الحزب أوزغور أوزيل وعدد من أعضائه، بتهم تتعلق بالفساد والإرهاب وإهانة الرئيس، وهي اتهامات ينفيها الحزب ويصفها بأنها «مسيسة».
تكهنات حول الداخلية
أما على صعيد وزارة الداخلية، فقد سبقت التعديل تكهنات بإمكانية إبعاد علي يرلي كايا، لا سيما بعد انتقادات حادة من رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، الحليف لإردوغان، على خلفية ملف اغتيال سنان أتش، إضافة إلى تداعيات عملية أمنية ضد خلية لتنظيم «داعش» في ولاية يالوفا أواخر ديسمبر (كانون الأول)، قُتل فيها ثلاثة من رجال الشرطة.
وأفادت مصادر بأن مسألة التعديل نوقشت خلال لقاء جمع إردوغان وبهشلي في يناير (كانون الثاني) الماضي بالقصر الرئاسي. ويرى محللون أن اختيار مصطفى تشيفتشي، المعروف بخلفيته المحافظة، قد يهدف إلى الحفاظ على توازنات القاعدة الانتخابية لحزب «العدالة والتنمية»، خصوصاً في الولايات ذات الطابع المحافظ.
غضب معارض وتحذيرات
واعتبر رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل أن تعيين غورليك «مقدمة لعملية جديدة» ضد الحزب، قائلاً إنهم يواجهون «أكبر هجوم سياسي في تاريخهم»، متعهداً بعدم الاستسلام. كما رأى رئيس حزب «الجيد» مساوات درويش أوغلو أن تعيين من كان يدير أبرز القضايا ضد المعارضة وزيراً للعدل «رسّخ الطابع السياسي لهذه الملفات».
بدوره، أشار المحلل السياسي مراد يتكين إلى أن تولي غورليك وزارة العدل، بما تتضمنه من رئاسة مجلس القضاة والمدعين، يمنحه تأثيراً مباشراً في التعيينات القضائية، ما يعزز المخاوف من تشدد أكبر تجاه المعارضة.
وأضاف يتكين أن هذا المسار قد يرتبط بإمكانية لجوء إردوغان إلى انتخابات مبكرة في حال تأمين 360 صوتاً في البرلمان، رغم التحديات الاقتصادية الراهنة، ما يفتح الباب أمام مرحلة سياسية أكثر سخونة في تركيا.