بدت الساحة اللبنانية أمس أمام مشهد متشعّب من التطورات السياسية والأمنية والمالية، فيما تصدّر ملف طرابلس واجهة الاهتمام الرسمي بعد كارثة انهيار المبنى في باب التبانة، بالتوازي مع تصعيد إسرائيلي جنوباً، وعقوبات أميركية طالت شخصيات وشركات مرتبطة بـ«حزب الله»، وتحضيرات متواصلة لمؤتمر دعم الجيش في باريس.
طرابلس: خطة إخلاء وهدم ودعم اجتماعي
أعلن رئيس الحكومة نواف سلام حزمة إجراءات فورية لمعالجة ملف الأبنية المتصدّعة في طرابلس، بعد اجتماع موسّع استمر أكثر من ثلاث ساعات. وتقرّر إخلاء 114 مبنى مهدداً بالسقوط خلال مهلة أقصاها شهر، مع تأمين بدلات إيواء للعائلات لمدة سنة تُدفع فصلياً، إضافة إلى تحديد مراكز إيواء مؤقتة بإشراف لجنة إدارة الكوارث في الشمال.
وتتولى وزارة الشؤون الاجتماعية إدراج المتضررين ضمن برنامج «أمان»، فيما تغطي وزارة الصحة أوضاعهم الصحية وربطهم بمراكز الرعاية الأولية. كما تقرر تدعيم الأبنية القابلة للمعالجة وهدم الآيلة للسقوط بإشراف الهيئة العليا للإغاثة، واستكمال المسح الهندسي بالتعاون مع نقابة المهندسين، إلى جانب تقييم البنى التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي عبر مجلس الإنماء والإعمار.
ميدانياً، استمر إخلاء مبانٍ في طرابلس والقلمون، وسط احتجاجات شعبية وقطع طرقات، قبل أن يعيد الجيش فتحها ويواكب التحركات التي حمّلت الدولة مسؤولية الإهمال المزمن في المدينة.
دعم للجيش وتحضيرات لمؤتمر باريس
في سياق متصل، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل المملكة العربية السعودية بدعوة رسمية، حيث التقى رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الأول الركن فياض بن حامد الرويلي، وبحث معه سبل تعزيز التعاون بين الجيشين، والتحضيرات الجارية لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر في 5 آذار المقبل في باريس.
وأشاد مسؤولون أميركيون بجهود الجيش في ضبط الأوضاع جنوب الليطاني، معلنين العثور على مستودع ذخيرة ونفق تابعين لـ«حزب الله». كما هنأ قائد القيادة المركزية الأميركية القوات المسلحة اللبنانية على هذه العمليات، مع الدعوة إلى تسريع خطوات حصر السلاح.
عقوبات أميركية وتصعيد مالي
على الصعيد المالي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عناصر وشركات مرتبطة بـ«حزب الله»، متهمة إياها باستغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان، ولا سيما «القرض الحسن»، لتقويض مؤسسات الدولة وتمويل أنشطة غير مشروعة. كما طالت العقوبات رجلَي أعمال روسيَّين، أحدهما متهم بتسهيل صفقات تجارية لصالح الحزب تشمل روسيا.
بالتوازي، كشفت تقارير أميركية عن وضع 20 سفينة تنقل نفطاً إيرانياً على لائحة أهداف المصادرة، في إطار تشديد الرقابة على الالتفاف على العقوبات.
الانتخابات والموازنة وصندوق النقد
انتخابياً، أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أن باب الترشيحات فُتح من دون تسجيل أي طلب في اليوم الأول، مؤكداً جهوزية الوزارة لإجراء الاستحقاق في موعده، مع إحالة مسألة اقتراع المغتربين إلى هيئة التشريع والاستشارات لتجنّب الطعون. ونُقل عن الرئيس سلام تأكيده أن الانتخابات ستحصل كما جرت قبل أربع سنوات.
مالياً، أصدر رئيس الجمهورية جوزف عون قانون موازنة 2026 بعد إقرارها في مجلس النواب، فيما واصل وفد صندوق النقد الدولي لقاءاته مع المسؤولين لبحث خطة معالجة أوضاع المصارف واستعادة الودائع، وسط تأكيد رسمي على السعي إلى اتفاق على مستوى الخبراء يوازن بين المتطلبات الاجتماعية والاستقرار المالي.
الجنوب على إيقاع الاعتداءات
جنوباً، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية، من قصف مدفعي وإلقاء قنابل صوتية إلى عمليات استهداف أدت إلى سقوط شهداء وجرحى، وسط توتر ميداني متواصل. في المقابل، أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة «مكفولة دستورياً»، معتبراً أن إسرائيل أضعف من أي وقت مضى.
وبين الشمال المثقل بجراحه، والجنوب الواقع تحت النار، والملفات المالية والسياسية المفتوحة، تتحرك الدولة على إيقاع سباق مع الأزمات، في محاولة لإثبات قدرتها على الإمساك بزمام المبادرة داخلياً وخارجياً.
المصدر: اللواء