ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة القداس الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة، وألقى عظة لمناسبة ذكرى ختانة ربنا يسوع المسيح بالجسد وتذكار القديس باسيليوس الكبير ورأس السنة، شدد فيها على أن تبدّل السنوات لا يصنع وحده أي تغيير، ما لم يترافق مع تبدّل حقيقي في الإنسان من الداخل.
واعتبر أن الكنيسة، في هذا العيد، تضع المؤمنين أمام سر يلتقي فيه الزمن بالأبدية، والشريعة بالنعمة، حيث يدخل الله تاريخ الإنسان لا ليبقى خارجه، بل ليقدّسه من الداخل. وأشار إلى أن مشاهد طفولة المسيح، كما يوردها الإنجيل، لا تتحدث فقط عن نمو جسدي، بل عن مسيرة طاعة وحكمة ونعمة، تؤكد أن الخلاص لم يتم خارج الزمن، بل من خلاله.
وأوضح أن ختانة المسيح في اليوم الثامن لم تكن خضوعًا لحاجة، بل إتمامًا للشريعة وتقديسًا لها، ناقلة الإنسان من علامة خارجية في الجسد إلى عهد جديد يقوم على ختان القلب. ورأى أن رسالة هذا العيد في مطلع السنة تكمن في الدعوة إلى قطع الخطيئة من الداخل، وتنقية القلب من كل ما يشوّه صورة الله في الإنسان.
وقال إن الإنسان، منذ بدايات التاريخ، هو من لوّث هذه الصورة بالحسد والحقد والعنف والحروب، مدفوعًا بالسعي إلى السلطة أو المال، داعيًا كل فرد إلى مراجعة ذاته مع بداية العام، وتنقية قلبه من الشر، وترك مكان للمحبة والعدل. وأكد أن الله هو من يوزّع المواهب والوزنات، وأن المطلوب من الإنسان أن يعمل بأمانة وصدق، من دون إدانة الآخرين أو التشهير بهم.
كما دعا إلى تنقية الألسنة من الكلام المؤذي، والأفكار من الشر، والقلوب من كل ما يمنع محبة القريب واحترامه، مشيرًا إلى أن ختان القلب ليس فعلًا آنيًا، بل مسيرة مستمرة من الجهاد والنمو، تمامًا كما نما المسيح في الحكمة والنعمة، مقدسًا الزمن والطبيعة والعلاقة مع الخليقة.
وفي حديثه عن القديس باسيليوس الكبير، لفت إلى أنه قدّم نموذجًا حيًا لربط الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية، والعمل الروحي بالعدالة، معتبرًا أن تعاليمه حول تقاسم الخيرات وحماية الإنسان والخليقة تكتسب أهمية مضاعفة في زمن تتعرض فيه البيئة للاستنزاف والتشويه. وأشار إلى أن الاعتداء على الطبيعة ليس مسألة ثانوية، بل خلل روحي وأخلاقي نابع من عقلية الاستهلاك والأنانية.
وعن الواقع اللبناني، قال إن رسالة هذا العيد تكتسب بعدًا خاصًا في وطن يعاني من الفساد وسوء الإدارة والاعتداء على الأرض والبحر والهواء، مؤكدًا أن السنة الجديدة لن تغيّر شيئًا إن لم يتغير الناس. وذكّر بأن الزمن لا يصنع الفضيلة بحد ذاته، بل الإرادة التي تحسن استثماره.
وتوقف عند ما تحقق خلال العام المنصرم، من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة حاولت العمل في ظروف صعبة، معتبرًا أن النظر إلى الإيجابيات، ولو كانت محدودة، أفضل من الغرق في التشاؤم. وأعرب عن أمله في أن تتابع الحكومة في العام الجديد معالجة الملفات العالقة، من إعادة الاعتبار للمؤسسات، واحترام الاستحقاقات، إلى إيجاد حلول عادلة لودائع اللبنانيين والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز سلطة الدولة والمحاسبة.
وختم بالدعاء أن يلهم الله المسؤولين الحكمة والشجاعة للإصلاح، وأن يمنح اللبنانيين قلوبًا متجددة بالنعمة، وعقولًا مستنيرة بالحق، وأيدي أمينة تحفظ الإنسان والأرض معًا، ليبقى لبنان، رغم جراحه، مساحة رجاء وشهادة.