ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “يفتتح الإنجيلي مرقس بشارة الخلاص بكلمات تحمل ثقل الإعلان الإلهي كله قائلا: «بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله». هذه العبارة ليست مقدمة أدبية، بل إعتراف إيماني يضع أمامنا حقيقة جوهرية أن ما نسمعه ليس قصة عن إنسان عظيم، بل دخول الله نفسه في تاريخ البشر. فالإنجيل ليس كتاب تعليم أخلاقي وحسب، إنما خبر سار وحدث إلهي وبداية جديدة للعالم وللإنسان. هذا «البدء» يتجدد في كل جيل، وفي كل قلب يقبل أن يصغي، لأن كلمة الله حية وفعالة، لا يحدها زمن ولا يقيدها سياق. من هذا البدء يخرج «صوت صارخ في البرية». لم يختر الله أن يبدأ بشارته من القصور أو المجامع بل من البرية، حيث القفر والعطش والخطر. البرية في الكتاب المقدس هي المكان الذي ينكشف فيه الإنسان على حقيقته، حيث لا أقنعة ولا ضمانات. فيها تاه شعب إسرائيل، وفيها تعلم الإتكال على الله، وفيها كلم الله أنبياءه. يوحنا المعمدان يظهر في البرية ليعلن معمودية التوبة لمغفرة الخطايا، وكأنه يقول إن الطريق إلى الله يبدأ حين يعترف الإنسان بفراغه وحاجته وضعفه. التوبة ليست إذلالا للنفس، بل تحرير لها من وهم الإكتفاء الذاتي”.
أضاف: “لقد فهم الآباء التوبة على أنها تغيير عميق في اتجاه الحياة. فالقديس يوحنا الذهبي الفم يعلم أن التوبة ليست بكاء على الماضي بقدر ما هي ولادة جديدة للمستقبل. من هنا نفهم لماذا كان المعمدان يدعو الجميع، من أورشليم واليهودية، للنزول إلى نهر الأردن. فالنزول هو حركة داخلية قبل أن يكون حركة جسدية، نزول من الكبرياء إلى الإتضاع، ومن تبرير الذات إلى الصدق أمام الله. في عالم اليوم، حيث يسعى الإنسان إلى تبرير كل شيء وإخفاء ضعفه، يبقى صوت المعمدان مستفزا، لأنه يطالبنا بالإتضاع وقول الحقيقة. لذا عظمة المعمدان لا تكمن فقط في جرأة كلمته بل في تواضعه العميق. فهو لا يتعلق بكبريائه ويركز الإهتمام على دوره ورسالته، بل يحول الأنظار كلها إلى الآتي بعده. «يأتي بعدي من هو أقوى مني وأنا لا أستحق أن أنحني وأحل سير حذائه». القوة هنا ليست قوة سلطة أو نفوذ، بل قوة حياة وخلاص. وحين يقول إنه ليس أهلا أن يحل أربطة حذائه يضع نفسه في موضع العبد أمام الرب. لقد رأى الآباء في هذا الموقف قمة النبوة، لأن النبي الحقيقي لا يملك الرسالة بل يخدمها، وكل خدمة تفقد معناها إن لم تكن موجهة إلى المسيح وحده”.
وتابع: “يميز المعمدان بوضوح بين معموديته ومعمودية المسيح. «أنا عمدتكم بالماء وأما هو فيعمدكم بالروح القدس». الماء يوقظ الضمير، لكن الروح القدس يغير القلب. الماء يعلن الرغبة في التوبة، أما الروح فيمنح القدرة على الحياة الجديدة. هذا التمييز أساسي لإنسان اليوم الذي كثيرا ما يخلط بين الجهد الروحي والنعمة الإلهية. يقول القديس باسيليوس الكبير إن كل عمل صالح لا يستمد قوته من الروح القدس يبقى ناقصا وعاجزا عن أن يخلص الإنسان. فالمسيحية ليست مشروع تحسين ذاتي، بل شركة حياة مع الله. من هذا الإعلان الإنجيلي ننتقل إلى شهادة رسول عاش الإنجيل حتى النهاية. في رسالته الثانية إلى تيموثاوس، نسمع صوت بولس الرسول وقد بلغ ساعة الوداع. إنها كلمات رجل ينظر إلى حياته في ضوء الأبدية. يقول: «أما أنا فقد أريق السكيب علي، ووقت انحلالي قد اقترب». هو لا يرى الموت هزيمة، بل كتقدمة وسكيب يسكب أمام الله. حياته كلها صارت ذبيحة محبة وطاعة. هذه النظرة تحرر الإنسان من خوف النهاية، لأن الموت لا يعود سقوطا في العدم، بل يصير عبورا إلى اللقاء. يتابع: «جاهدت الجهاد الحسن وأتممت شوطي وحفظت الإيمان.» الجهاد الذي يتحدث عنه الرسول ليس صراعا عدائيا، إنما هو أمانة يومية، وثبات في وسط التعب والإضطهاد والشكوك. لم يقل بولس إنه لم يسقط بل إنه لم يترك الإيمان. فحفظ الإيمان لا يعني عدم التعثر، بل يعني العودة الدائمة إلى النعمة. هذه رسالة معزية لإنسان اليوم الذي يشعر بثقل ضعفه، ويظن أحيانا أن السقوط نهاية الطريق. لكنه إن كان متيقظا كما أوصى الرسول تلميذه تيموثاوس، لا يغرق في متاهات العالم بل يحفظ عيون قلبه منفتحة على عمل الله في حياته”.
وقال: “ثم يرفع بولس نظره إلى الرجاء قائلا: «وإنما يبقى محفوظا لي إكليل العدل الذي يجزيني به في ذلك اليوم الرب الديان العادل، لا إياي فقط بل جميع الذين يحبون ظهوره». الإكليل ليس استحقاقا بشريا، بل عطية من «الديان العادل». عدالة الله هنا ليست عدالة حسابية، إنما عدالة محبة، تكافئ الأمانة بالنعمة، وهذا الإكليل لا يخص بولس وحده، بل جميع الذين يحبون ظهور الرب، أي الذين يعيشون حياتهم وهم يتطلعون إلى مجيء المسيح، لا كحدث مخيف، بل كتحقيق للرجاء. حين نضع نص مرقس إلى جانب شهادة بولس، نرى صورة الطريق المسيحي كاملة. يبدأ الطريق بنداء التوبة في البرية، ويختم برجاء الإكليل في الأبدية”.
وختم: “بين البداية والنهاية هناك جهاد وخدمة وسهر. يعلمنا يوحنا أن نهيئ الطريق للرب في قلوبنا، وبولس يعلمنا أن نثبت في هذا الطريق مهما طال. إنسان اليوم، الذي يعيش بين ضغوط الحياة وتسارعها، مدعو أن يكتشف أن الإيمان ليس هروبا من الواقع. إنه طريقة عيش متجذرة في الرجاء. بالإيمان يغلب الضعف والخطيئة، وبه يتغلب على التجارب والمحن، وفي ضوئه يقود حياته في المحبة والتضحية والعطاء والصلاة المستمرة. لذلك، في زمن يكثر فيه الكلام وتقل فيه الأصوات الصادقة، تقدم الكنيسة لنا صوت الرسول في البرية ككلمة حية موجهة إلينا الآن. فدعوة كل منا أن يصير برية تستقبل الكلمة، وشاهدا للأمانة حتى النفس الأخير، لأن قيمة حياتنا ليست في نجاحاتنا وثروتنا ومركزنا بل في مقدار أمانتنا لوصايا الله، وفي حفظ إيماننا في هذا العالم المضطرب، وشهادتنا الحية بالأعمال. وحين يأتي إلينا ذاك الذي يعمد بالروح القدس، يجد فينا قلوبا مستعدة، وحياة تنتظر ظهوره بمحبة، فنشاركه مع القديسين فرح الملكوت الذي لا يزول”.