دور البرد

مع حلول كل موجة برد، كثيرون يرددون عبارة: “أشعر أن البرد وصل إلى عظامي”. لكن هل العظام نفسها تشعر بالبرد فعليًا، أم أن هذا مجرد تعبير مجازي؟

وفق خبراء التشريح، العظام لا تمتلك مستقبلات حرارية مثل الجلد، لذا فهي لا تشعر بالبرد مباشرة. ويرجع ذلك إلى أن العظام محاطة بطبقات من العضلات والأنسجة الضامة والجلد، ما يجعلها بعيدة عن مواجهة التغيرات المناخية مباشرة. لكن هذا لا يعني أن البرودة لا تؤثر عليها إطلاقًا.

الطبقة الخارجية التي تغلف العظم، والمعروفة بالسمحاق (periosteum)، تحتوي على شبكة أعصاب حساسة يمكنها استشعار التغيرات، خاصة عند التعرض للبرودة الشديدة أو الضغط. كما أن البرد يؤثر على الأنسجة المحيطة بالعظام، فيصبح السائل الزلالي داخل المفاصل أكثر لزوجة، ما يزيد صعوبة الحركة والألم، لا سيما لدى المصابين بالتهاب المفاصل. تنقبض الأوتار والأربطة، ويقل تدفق الدم إلى الأطراف في محاولة الجسم للحفاظ على حرارة الأعضاء الحيوية، ما يرفع الضغط الميكانيكي على المفاصل ويُترجَم في الدماغ على أنه “برد في العظام”.

تلعب الرطوبة دورًا إضافيًا في الشعور بالبرد، إذ تنقل المياه الحرارة أسرع من الهواء، فتبدو الأيام الباردة الرطبة أشد قسوة من الأيام الباردة الجافة. كما أن قلة التعرض للشمس في الشتاء تقلل مستويات فيتامين D، ما يؤثر على صحة العظام ويزيد حساسية الجسم للألم، فضلًا عن تأثيره على المزاج والقلق، مما يجعل الشعور بالبرد أصعب.

باختصار، العظام نفسها لا ترتجف، لكن المفاصل والأنسجة المحيطة بها، إضافة إلى تغير تدفق الدم، تجعل الإحساس بالبرد حقيقيًا جدًا. وللتخفيف من هذا الشعور، ينصح الخبراء بارتداء طبقات دافئة، والحركة المنتظمة لتحفيز الدورة الدموية، وتناول سعرات كافية لإنتاج الطاقة، والتعرض لأشعة الشمس لدعم مستويات فيتامين D.

البرودة قد لا تكون داخل العظام، لكنها بالتأكيد تجعلنا نشعر وكأنها هناك.

البحث