في أواخر القرن التاسع عشر، عاشت أوروبا على وقع اضطرابات سياسية متصاعدة، ترافقت مع تنامي نشاط الحركات الأناركية التي لجأت في أكثر من محطة إلى اغتيال شخصيات بارزة. ففي ليون عام 1894، اغتال الإيطالي سانتي كازيريو الرئيس الفرنسي سادي كارنو، وفي عام 1898 قُتلت إمبراطورة النمسا إليزابيث على يد لويجي لوتشيني. وبين هذين الحدثين، شهدت القارة محاولات وعمليات أخرى استهدفت رموزاً سياسية نافذة.
وفي عام 1897، وصلت موجة الاغتيالات إلى إسبانيا، حيث قُتل رئيس الوزراء أنطونيو كانوفاس ديل كاستيو في عملية أثارت صدمة داخلية وردود فعل دولية واسعة.
ثلاث رصاصات في منتجع سانتا أغوادا
جاء اغتيال ديل كاستيو في سياق توتر داخلي أعقب تفجير برشلونة عام 1896، حين اعتقلت السلطات الإسبانية عدداً من الأناركيين، وتعرض بعضهم للتعذيب والمحاكمة، ما أثار غضب دوائر أناركية داخل إسبانيا وخارجها.
في الثامن من أغسطس (آب) 1897، كان رئيس الوزراء يمضي فترة استجمام في منتجع سانتا أغوادا بمدينة موندراغون. وبعد حضوره قداساً دينياً وإرساله برقية إلى وزير الداخلية، توجه إلى قاعة الطعام برفقة زوجته. وبينما انشغلت زوجته بالحديث، جلس يطالع صحيفة «La Época».
في تلك اللحظة، اقترب منه الإيطالي ميشال أنجيوليلو، الذي كان قد فر من بلاده بسبب ملاحقته الأمنية، متظاهراً بأنه صحافي. ومن مسافة قريبة جداً، أطلق عليه ثلاث رصاصات أردته قتيلاً بعد نحو ساعة. ولم يكن ديل كاستيو يحظى بحراسة مشددة في ذلك الوقت.
أُلقي القبض على أنجيوليلو فوراً، وخضع لمحاكمة سريعة انتهت بإعدامه خنقاً في 20 أغسطس من العام نفسه.
جدل حول “تنظيم دولي”
أثارت العملية موجة استنكار دولية، وذهبت بعض الصحف إلى الحديث عن وجود تنظيم أناركي عالمي يعمل سراً لزعزعة استقرار الدول الأوروبية، فيما اعتبرت صحف أخرى أن الاغتيال كان عملاً فردياً بدافع انتقامي.
رجل “الاستعادة” والنظام الثنائي
وُلد أنطونيو كانوفاس ديل كاستيو عام 1828 في مالقة، ويُعد من أبرز السياسيين الإسبان في القرن التاسع عشر. لعب دوراً محورياً عام 1874 في إعادة أسرة بوربون إلى الحكم وإنهاء الجمهورية الأولى، وساهم في إرساء نظام ملكي دستوري قائم على تداول السلطة بين حزبين رئيسيين: المحافظين الذين قادهم، والليبراليين.
دافع ديل كاستيو عن نموذج الدولة المركزية، وتعامل بصرامة مع الحركات الأناركية والنزعات القومية في كاتالونيا وإقليم الباسك. ورغم نجاحه في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي بعد الحروب الكارلية، واجهت حكوماته تحديات متزايدة، أبرزها تصاعد الحركات الاستقلالية في كوبا منذ عام 1895، وتنامي الاضطرابات الاجتماعية والفقر والاحتجاجات العمالية، إضافة إلى موجة العنف الأناركي.
هكذا، تحوّل منتجع هادئ إلى مسرح لواحدة من أبرز الاغتيالات السياسية في أوروبا القرن التاسع عشر، في زمنٍ كانت فيه القارة تعيش على إيقاع صراعات أيديولوجية حادة وهشاشة أمنية متنامية.