تتوالى النصائح على تطبيق «تيك توك» لكشف الشخص النرجسي: ابحث عن «العدوانية السلبية»، كما يقترح أحد المؤثرين، أو انتبه إلى أنه «يخلق تبعية عاطفية»، بحسب آخرين. وتصف إحدى النساء، وهي تضع مساحيق التجميل أمام الكاميرا، النرجسي بأنه «ساحر وجذاب للغاية، لكن نظرته باردة».
قبل عقود، لم يكن مصطلح النرجسية يُستخدم إلا نادراً خارج الأوساط السريرية أو الدراسات الأكاديمية. أما اليوم، فقد بات، كما يقول فيرجيل زيغلر–هيل، أستاذ علم النفس في جامعة أوكلاند بولاية ميشيغان، «مصطلحاً جامعاً لطيف واسع من السلوكيات المكروهة أو المُحبِطة».
والنرجسية (Narcissism) هي سمة شخصية تتمثل في الرغبة الشديدة في الشعور بالتميّز والتفرّد، وهي سمة تتفاوت حدّتها بين الأفراد. فكل شخص يمتلك قدراً منها، غير أن من يقعون في أعلى هذا الطيف غالباً ما يظهرون أنانية وغروراً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إصابتهم باضطراب الشخصية النرجسية.
ويُشخَّص اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder – NPD) وفق معايير محددة، تشمل حاجة ملحّة للإعجاب، وشعوراً مفرطاً بأهمية الذات، وافتقاراً للتعاطف مع الآخرين. وهذه السمات تكون مستمرة وتؤدي عادةً إلى ضيق نفسي أو خلل في العلاقات والعمل ومجالات الحياة المختلفة.
وتشير الأبحاث إلى أن اضطراب الشخصية النرجسية نادر نسبياً، إذ يُقدّر أنه يصيب ما بين 1 و2 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يؤكد مختصون أن غياب التشخيص الطبي لا يعني أن الشخص لا يُظهر سلوكيات نرجسية مؤذية، إذ يمكن أن يتسبب الأفراد ذوو السمات النرجسية المرتفعة، حتى من دون اضطراب، بأذى حقيقي لأنفسهم ولمن حولهم.
وتوضح الأخصائية النفسية السريرية راماني دورفاسولا، مؤلفة كتاب «الأمر لا يتعلق بك: التعرف على الأشخاص النرجسيين والتعافي منهم»، أن هذه السمات تشمل انخفاض التعاطف، والشعور بالاستحقاق، والأنانية، والتلاعب، والخداع، وإلقاء اللوم على الآخرين، والسعي الدائم وراء الإعجاب والمكانة والتقدير. وتضيف أن النرجسية تصبح أكثر ضرراً عندما تتحول إلى قسوة أو نزعة انتقامية أو استغلال لنقاط ضعف الآخرين، مشيرةً إلى أن «النرجسية غالباً ما تعني حياة مليئة بالشعور بالظلم والاضطهاد والريبة والانفصال عن الآخرين».
ولا يتخذ النرجسيون شكلاً واحداً، إذ حدّد الباحثون أنماطاً مختلفة، أبرزها النرجسية الفاعلة، التي تتسم بالثقة المفرطة والغرور والتركيز على السلطة والنجاح؛ والنرجسية العصابية، التي ترتبط بالحساسية المفرطة للنقد والحاجة الدائمة للتقدير والشعور بعدم الأمان؛ والنرجسية العدائية، التي تتسم بالتنافسية والاستغلال والعداء وافتقار التعاطف. وغالباً ما يُظهر الأفراد مزيجاً من هذه السمات بنسب متفاوتة.
ومن الخرافات الشائعة الاعتقاد بأن جميع النرجسيين يفتقرون كلياً إلى التعاطف. فبحسب دورفاسولا، يمكن للنرجسي أن يُظهر تعاطفاً انتقائياً عندما يخدم ذلك مصلحته أو صورته أمام الآخرين، إلا أن هذا التعاطف غالباً ما يكون سطحياً ومؤقتاً. كما أن الاعتقاد بأن النرجسيين لا يدركون طبيعة شخصياتهم غير دقيق، إذ تُظهر الدراسات أنهم واعون بجوانبهم السلبية، لكنهم لا يرون فيها مشكلة حقيقية.
كذلك، لا تُعد النرجسية سمة ثابتة لا تتغير. فالأبحاث تشير إلى أنها تميل إلى التراجع قليلاً مع التقدم في العمر، بالتزامن مع ازدياد التعاطف. ويمكن لبعض النرجسيين، لا سيما ذوي النرجسية العصابية، طلب العلاج النفسي نتيجة الضيق والقلق وعدم الاستقرار العاطفي، في حين يقاوم آخرون العلاج باعتباره اعترافاً بالضعف.
أما عن جذور النرجسية، فخلافاً للاعتقاد السائد بأنها نتيجة نقص الحب في الطفولة، تشير الأدلة إلى أن المبالغة في تدليل الطفل وإشعاره بأنه مميّز ومستحق أكثر من غيره قد تسهم في تنمية سمات نرجسية مبكرة، إلى جانب عوامل وراثية وتجارب اجتماعية لاحقة في المدرسة والعمل والعلاقات.
ورغم الصورة النمطية، يمكن للنرجسيين أن يتصرفوا بطرق تعاونية أو خيرية، مثل التطوع أو التبرع، لكن دوافعهم غالباً ما تكون مرتبطة بالحصول على التقدير أو الإعجاب، لا بالإيثار الخالص. كما أن النرجسية لا تضمن النجاح، وإن كانت قد تمنح صاحبها قدراً من الثقة والحزم والدافع القيادي، وهي سمات قد تكون مفيدة في بعض السياقات، وضارة في أخرى.
وفي ما يتعلق بالندم، يدرك النرجسيون أخطاءهم، لكن الشعور بالذنب غالباً ما يتحول سريعاً إلى خجل، ثم إلى إلقاء اللوم على الآخرين، كما توضح دورفاسولا. وتنصح، في حال الاشتباه بالتعرّض لتلاعب نفسي، بمحاولة مواجهة الشخص في وقت هادئ، مع الانتباه إلى رد فعله: فإذا أبدى تحمّلاً حقيقياً للمسؤولية، فهناك مجال للإصلاح، أما إذا قوبلت المواجهة بالغضب والإنكار، «فربما يكون من الأفضل عدم العودة إلى ذلك القفص».