الملياردير تشارلي مونغر

تشارلي مونغر لم يعش سنواته الأخيرة كشيخ يستعيد ذكرياته، بل كعقل ما زال يشتعل فضولاً. الرجل الذي رحل في نهاية نوفمبر 2023 قبل أسابيع من بلوغه المئة، ظل يبحث عن الشركات كما لو أنه شاب يلاحق فرصه الأولى. كان يقلب مجلدات “Value Line” الخضراء، يدرس الأرقام من دون ملل، ويطلق حكمته المعتادة عندما قرأ مقالاً يعلن “نهاية الفحم”: “هراء!”، ثم استثمر وضاعف قناعته بمكاسب تجاوزت 50 مليون دولار.

الغريب الجميل في قصته ليس فقط حدسه الاستثماري، بل قدرته على تكوين صداقات غير متوقعة. فتى مراهق مصاب بفرط الحركة صار لاحقاً أحد أهم شركائه، وشركته التي دعمها مونغر صارت اليوم من كبار مالكي الشقق منخفضة التكلفة في كاليفورنيا. العقل الكبير كان يرى الإمكانات قبل أن يراها أصحابها.

اجتماعياً، بدا وكأنه يعيش شبابه المتأخر. لقاءات الإفطار الأسبوعية، النكات، ومحاولاته المستمرة لصنع أصدقاء جدد. أما نظامه الغذائي.. فكان آخر ما يشغله. آخر طلبية له كانت دجاجاً كورياً مقلياً مع أرز بالكيمتشي وبطاطا مقلية. جسد يتقدّم بالعمر، لكن شهيته للمتع الصغيرة لم تهرم أبداً.

في صفقات العقارات ظل يعمل حتى الأيام الأخيرة، يفاوض، يحلل، ويوقّع. كان يقول إن “بيركشاير” ليست مجرد مؤسسة، بل طريقة تفكير. قد يبدو هذا كلاماً إنشائياً في عالم المال، لكنه يعبّر عن فلسفة رجل عاش عمره كطالب دائم: يتعلم، ثم يتعلم، ثم يتعلم… كأن المعرفة وقود يقيه من التجاعيد.

قصة مونغر تشبه درساً مفتوحاً في حب التعلم. موتُه كان نهاية حياة طويلة، لكنه لم يكن نهاية عقله الذي ظل يكتب على هوامش الأيام حتى اللحظة الأخيرة. وفي كل مرة نقرأ حكاية من هذا النوع، نكتشف أن أعظم استثمار قد يفعله الإنسان هو فضوله.

البحث